التمدح بالتكسب والحث على ذلك
قال الله تعالى: وابتغوا من فضل الله
«4» ، فدل على وجوب الطلب أو فضيلته. قال الموصلي: عليكم بالتكسب فأول ما يبدأ به الفقر دين الإنسان. ولما أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك استقبله معاذ فصافحه، فقال: كبنت يداك، قال: نعم أحترث بالمسحاة وأنفقه على عيالي فقبله، وقال لا تمسها النار. وقال بعض الحكماء: لا تدع الحيلة في التماس الرزق بكل مكان فالكريم محتال والدنيء عيال.
قال عروة بن الورد:
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكى الفقر أو لام الصديق فأكثرا
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
وقيل: هو أكسب من الذر والنمل ومن الذئب. وقيل: فلان يسعى سعي الأم البرة ويجمع بجهده جمع الذره.
تفضيل الكسب على السؤال
كان عمر رضي الله عنه إذا نظر إلى فتى وأعجبه، سأل: هل له حرفة فإذا قالوا: لا سقط من عينه. وكان يقول: مكسبة فيها دناءة خير من مسألة الناس. وقال ابن عباس رضي الله عنه:
قدم قوم على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إن فلانا يصوم النهار ويقوم الليل ويكثر الذكر، فقال: أيكم كان يكفي طعامه وشرابه، فقالوا: كلنا فقال كلكم خير منه. وروى أنس أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أتيتك من أهل بيت لا أراني أرجع إليهم من الجوع، فقال: أما عندك شيء؟
قال: لا، فأعطاه درهمين وقال له: إذهب فابتع بأحدهما طعاما وبالآخر فاسا واحتطب وبع.
فغاب خمسة عشر يوما ثم جاء فقال: بارك الله لي فيما أمرتني به أصبت عشرة دراهم فابتعت لأهلي بخمسة طعاما وبخمسة كسوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من المسألة «1» ، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة دم موجع أو غرم مفظع أو عدم مدقع.
وقال إبراهيم عليه السلام: يا رب استحييت من كثرة تصرفي في طلب الرزق فأوحى الله إليه ليس طلب المعيشة من طلب الدنيا.
وقال شاعر:
ولا تدع مكسبا حلالا ... تكون منه على بيان