(5) الأمانة والخيانة
الحث على الأمانة والنهي عن الخيانة
قال الله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها
«1» وقال: ولا تكن للخائنين خصيما
«2» وقال: وأن الله لا يهدي كيد الخائنين
«3» وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا إيمان لمن لا أمانة له. ومن دعائه عليه السلام: أعوذ بك من الخيانة فبئست البطانة. وقال الجاحظ:
سقى الله قبر الأحنف حيث يقول: الزم الصيحة يلزمك العمل. وقال: إذا لم تكن خائنا فبت آمنا. وقيل: أفحش الزمانة عدم الأمانة إذا ذهب الوفاء نزل البلاء وإذا مات الاعتصام عاش الانتقام. خيانة الناس أقبح الإفلاس وقال معاوية: إلزم الرفيعين: الأمانة والعدل.
الحث على الوفاء ومدحه
قال الله تعالى: وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون
«4» وقال: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود
«5» وقال: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها
«6» وقيل إذا ذهب الوفاء نزل البلاء وإذا ظهرت الخيانات استمحقت «7» البركات. وقيل: الوفاء من شيم الكرام والغدر من همم اللئام. وقيل في قوله تعالى:
وثيابك فطهر
«8» ، لا تلبس ثيابك على الغدر.
مدح ذوي الوفاء
قال الله تعالى: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا
... والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون*
«9» ، قال شاعر:
ولم توقد لها بالغدر نار
قال المسيب بن عيسى:
أنت الوفي فما تذم وبعضهم ... يوفى بذمته عقاب الملاع «1»
وقال أعرابي: فلان لا يشكره الخنى «2» ولا يشكوه الوفا. قال التنوخي:
عظائم لو أن السموءل خافها ... لخان امرأ القيس الوكيد من العهد «3»
من التزم مكروها في التزام الوفاء
قيل: أكرم الوفاء ما كان عند الشدة وألأم الغدر ما كان عند الثقة، كان السموأل أودعه امرؤ القيس دروعا، فقصده الملك وأخذ ابنه وقال: إن دفعت الدروع إلي وإلا ذبحت ابنك، فقال: أجلني يوما. فجمع عشيرته واستشارهم فكل أشار بأن يدفع إليه.
فلما أصبح قال: ليس إلى دفعها سبيل، فافعل ما بدا لك. فذبح الملك ابنه. فوافى السموأل بالدروع الموسم ودفعها إلى ورثة امرىء القيس، فقال «4» :
وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت «5»
وفيه قال الأعشى وهي أبيات جيدة رائقة «6» :
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار «7»
قد سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما بدا لك إني سامع حار»
فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل، ثم قال له ... أقتل أسيرك إني مانع جاري «9»
وعمير بن سليم الحنفي كان يقصده السواقط «10» فلا يتعرض لقصاده، وكان مرداس في سجن عبيد الله بن زياد فقال له السجان: أنا أحب أن أوليك حسني، فإن أذنت لك في
الانصراف إلى دارك أتدلج «1» علي؟ فقال: نعم، فكان يفعل ذلك به. فلما كان ذات يوم قتل بعض الخوارج صاحب شرطة زياد، فأمر زياد أن يقتل من في الحبس من الخوارج وكان مرداس خارجا، فقال أهله: اتق الله في نفسك فإنك مقتول إن رجعت، فقال: ما كنت لألقى الله غادرا وهذا جبار ولا آمن أن يقتل السجان فرجع، وقال للسجان:
تساقط «2» إلي ما عزم صاحبك عليه من قتل أصحابنا فبادرت لئلا يلحقك مكروه، فقال السجان: خذ أي طريق شئت فانج نجاك الله.