بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارة
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه: الحمد لله الذي بسط نعمته، وأقام حجته، وأظهر حكمته، وتمم إعذاره ونذارته بمحمد نبيه عليه السلام، فأوضح به الدليل، وأنهج به السبيل، وأكمل به دينه، وأوضح به شريعته، فبلغ إلى الناس ما أرسل به إليهم، وبين ما افترض الله عليهم، وسن لهم وعلمهم، وأدبهم وأرشدهم، ثم مضى صلى الله عليه وسلم حميدا فقيدا، فأبقى كتاب الله لأمته نورا مبينا، وسنته حصنا حصينا، وأصحابه حبلا متينا، وجعل الله سبحانه سبيلهم الأقوم، ومنهاجهم الأسلم، وطريقتهم المثلى، واستنباطهم الأولى، وتواعد من اتبع غير سبيلهم أن {نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء: 115)، ووسع لهم ولمن اتبعهم بإحسان، في الاستدلال مما أجمل لهم من جوامع الكلم في كتابه، وعلى لسان نبيه، وأذن لهم في الاجتهاد في أحكامهم، والحوادث
النازلة بهم، مما ليس بنص عندهم في الكتاب والسنة نصا لا يختلف في تأويله، وأوجدهم السبيل إلى أن يجدوا في الأصول لكل حادثة مثلا، ولكل فرع عندهم أصلا، ووسع له في استدلالهم، وعمهم بالأجر في اختلافهم، قال الله تعالى: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} (الأنبياء: 79)، وجعل ذلك لهذه الأمة رحمة عمهم بها، وتوسعة وفضيلة خصهم بفضلها، وجعل ما يخرج عن استنباطهم، ويتسع فيه الاحتمال في استدلالهم، ويجري به الاجتهاد في حوادثهم، يخرج إلى حلال بين، أو حرام بين، أو شبهة تتقى، وجعل الرسول عليه السلام توقي الشبهات أبرأ للمرء في سلامة دينه وعرضه.
فالحمد لله الذي من بكفايته، وأنعم بهدايته، ورفق بنا في التكليف في عبادته، وجعل النجاة للمتأخرين في اتباع سبيل المتقدمين، ولم يوسع لمن بعدهم أن يرغب عن إجماعهم، أو يخرج عن اختلافهم، أو يعدل عن تأويلهم ومنهاجهم.
وقد اختلف في إجماع من كان بالمدينة من الصدر الأول، وفي اجتماع الجمهور من كل قرن، والذي ذهبنا إليه أن ذلك لا يسع خلافه، كالإجماع الذي يخالف فيه، وإن كان هذا مقطوعا به، ولا يقطع بالأول وقد أوردنا لذلك ولما يشبهه كتابا سميناه (كتاب الاقتداء)، وقلنا:
إنه ليس لأحد أن يحدث قولا أو تأويلا لم يسبقه به سلف , وإنه إذا ثبت عن صاحب قول لا يحفظ عن غيره من الصحابة خلاف له ولا وفاق , أنه لا يسع خلافه. وقال ذلك معنا الشافعي , وأهل العراق , فكل قول نقوله , وتأويل من مجمل نتأوله , فعن سلف سابق قلنا , أو من أصل من الأصول المذكورة استنبطنا.
عصمنا الله وإياكم من الهوى , والعدول عن الطريقة المثلى , وصلى الله على محمد نبيه , وعلى آله وسلم.
أما بعد , يسرنا الله وإياكم لرعاية حقوقه, وهدانا إلى توفيقه, فقد انتهى إلي ما رغبت فيه , من جمع النوادر والزيادات على ما في (المدونة) من غيرها من الأمهات , من مسائل مالك وأصحابه , وذكرت ما كثر عليك من دواوينهم , مع رغبتك في نوادرها وفوائدها , وشرح مشكل في بعضها, واختلاف من الأقاويل يشتمل عليه كثير منها، وهي مع ذلك فأكثرها بعضها من بعض يتكرر في بسطها، ويبسط على كثرة التبيين فيها، ولعمري إن العناية بقليل ذلك كله وكثيره محمودة، والخير في ذلك كله مأمول، والحمد لله رب العالمين، وكل ينتهي إلى ما يسر إليه، وأعين عليه، وذلك من الله سبحانه حكمة ينفع بها، ورحمة وسع فيها، وعناية يأجر عليها، ودرجة إن شاء الله يرفع بها من صحت مقاصده فيها، بارك الله لنا ولك فيما يسرنا إليه