المجلد الأول
باب القول في بسم الله الرحمن الرحيم
مدخل
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو بكر أحمد بن علي الرازي رضي الله عنه: قد قدمنا في صدر هذا الكتاب مقدمة 1 تشتمل على ذكر جمل مما لا يسع جهله من أصول التوحيد، وتوطئة لما يحتاج إليه من معرفة طرق استنباط معاني القرآن واستخراج دلائله وأحكام ألفاظه، وما تتصرف عليه أنحاء كلام العرب والأسماء اللغوية والعبارات الشرعية; إذ كان أولى العلوم بالتقديم معرفة توحيد الله وتنزيهه عن شبه خلقه وعما نحله المفترون من ظلم عبيده، والآن حتى انتهى بنا القول إلى ذكر أحكام القرآن ودلائله. والله نسأل التوفيق لما يقربنا إليه ويزلفنا لديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
باب القول في بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو بكر: الكلام فيها من وجوه: أحدها: معنى الضمير الذي فيها. والثاني: هل هي من القرآن في افتتاحه؟ والثالث: هل هي من الفاتحة أم لا؟ والرابع: هل هي من أوائل السور؟ والخامس: هل هي آية تامة أم ليست بآية تامة؟ والسادس: قراءتها في الصلاة. والسابع: تكرارها في أوائل السور في الصلاة. والثامن: الجهر بها. والتاسع: ذكر ما في مضمرها من الفوائد وكثرة المعاني.
فنقول: إن فيها ضمير فعل لا يستغني الكلام عنه; لأن الباء مع سائر حروف الجر لا بد أن يتصل بفعل إما مظهر مذكور، وإما مضمر محذوف، والضمير في هذا الموضع ينقسم إلى معنيين: خبر وأمر، فإذا كان الضمير خبرا كان معناه: أبدأ بسم الله، فحذف هذا الخبر وأضمر; لأن القارئ مبتدئ، فالحال المشاهدة منبئة عنه، مغنية عن ذكره، وإذا كان أمرا كان معناه: ابدءوا بسم الله، واحتماله لكل واحد من المعنيين على وجه واحد. وفي نسق تلاوة السورة دلالة على أنه أمر، وهو قوله تعالى: {إياك نعبد} . ومعناه: قولوا إياك، كذلك ابتداء الخطاب في معنى قوله: {بسم الله} [علق: 1] . وقد PageV01P005
ورد الأمر بذلك في مواضع من القرآن مصرحا وهو قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك} فأمر في افتتاح لقراءة بالتسمية كما أمر أمام القراءة بتقديم الاستعاذة، وهو إذا كان خبرا فإنه يتضمن معنى الأمر; لأنه لما كان معلوما أنه خبر من الله بأنه يبدأ باسم الله ففيه أمر لنا بالابتداء به والتبرك بافتتاحه; لأنه إنما أخبرنا به لنفعل مثله، ولا يبعد أن يكون الضمير لهما جميعا، فيكون الخبر والأمر جميعا مرادين، لاحتمال اللفظ لهما فإن قال قائل: لو صرح بذكر الخبر لم يجز أن يريد به المعنيين جميعا من الأمر والخبر، كذلك يجب أن يكون حكم الضمير في انتفاء إرادة الأمرين، قيل له: إذا أظهر صيغة الخبر امتنع أن يريدهما لاستحالة كون لفظ واحد أمرا وخبرا في حال واحد; لأنه متى أراد بالخبر الأمر كان اللفظ مجازا، وإذا أراد به حقيقة الخبر كان حقيقة، وغير جائز أن يكون اللفظ الواحد مجازا حقيقة، لأن الحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضعه، والمجاز ما عدل به عن موضعه إلى غيره، ويستحيل كونه مستعملا في موضعه ومعدولا به عنه في حال واحد; فلذلك امتنع إرادة الخبر والأمر بلفظ واحد.
وأما الضمير فغير مذكور، وإنما هو متعلق بالإرادة ولا يستحيل إرادتهما معا عند احتمال اللفظ لإضمار كل واحد منهما، فيكون معناه حينئذ: أبدأ بسم الله على معنى الخبر، وابدءوا أنتم أيضا به اقتداء بفعلي وتبركا به غير أن جواز إرادتهما لا يوجب عند الإطلاق إثباتهما إلا بدلالة; إذ ليس هو عموم لفظ مستعمل على مقتضاه وموجبه. وإنما الذي يلزم حكم اللفظ إثبات ضمير محتمل لكل واحد من الوجهين. وتعيينه في أحدهما موقوف على الدلالة كذلك قولنا في نظائره نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" لأن الحكم لما تعلق بضمير يحتمل رفع الحكم رأسا ويحتمل المأثم لم يمتنع إرادة الأمرين بأن لا يلزمه شيء، ولا مأثم عليه عند الله لاحتمال اللفظ لهما وجواز إرادتهما، إلا أنه مع ذلك ليس بعموم لفظ فينتظمهما، فاحتجنا في إثبات المراد إلى دلالة من غيره، وليس يمتنع قيام الدلالة على إرادة أحدهما بعينه أو إرادتهما جميعا.