قال الأصمعي : لما أراد مديح الحاسب وسرعة إصابته شدد الأمر
وضيقه عليه ليكون أحمد له إذا أصاب فجعله حزر طيرا والطير أخف من غيره ثم جعله حماما والحمام أسرع الطير وأكثرها اجتهادا في السرعة إذا كثر عددهن وذلك أنه يشتد طيرانه عند المسابقة والمنافسة وقال : يحفه جانبا نيق ويتبعه فأراد أن الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع منه إذا ( غايات الحمام ) وصاحب الحمام قد كان يدرب ويمرن وينزل في الزجال والغاية يومئذ واسط فكيف يصنع اليوم بتعريفه الطريق وتعريفه الورود والتحصب مع بعد الغاية PageV03P222 ما يختار للزجل من الحمام والبغداديون يختارون للزجال من الغاية الإناث والبصريون يختارون الذكور فحجة البغداديين أن الذكر إذا سافر وبعد عهده بقمط الإناث وتاقت نفسه إلى السفاد ورأى أنثاه في طريقه ترك الطلب إن كان بعد في الجولان أو ترك السير إن كان وقع على القصد ومال إلى الأنثى وفي ذلك الفساد كله .
وقال البصري : الذكر أحن إلى بيته لمكان أنثاه وهو أشد متنا وأقوى بدنا وهو أحسن اهتداء فنحن لا ندع تقديم الشيء القائم إلى معنى قد يعرض وقد لا يعرض .
نصيحة شدفويه في تربية الحمام وسمعت شدفويه السلائحي من نحو خمسين سنة وهو يقول لعبد السلام بن أبي عمار : اجعل كعبة حمامك في صحن دارك فإن الحمام إذا كان متى خرج من بيته إلى المعلاة لم يصل إلى معلاته إلا بجمع النفس والجناحين وبالنهوض ومكابدة الصعود اشتد متنه وقوي PageV03P223 جناحه ولحمه ومتى أراد بيته فاحتاج إلى أن ينتكس ويجيء منقضا كان أقوى على الارتفاع في الهواء بعد أن يروى وقد تعلمون أن الباطنيين أشد متنا من الظاهريين وأن النقرس لا يصيب الباطني في رجله ليس ذلك إلا لأنه يصعد إلى العلالي فوق الكناديج درجة بعد درجة وكذلك نزوله فلو دربتم الحمام على هذا الترتيب كان أصوب ولا يعجبني تدريب العاتق وما فوق العاتق إلا من الأماكن القريبة لأن العاتق كالفتاة العاتق وكالصبي الغرير فهو لا يعدمه ضعف البدن وقلة المعرفة وسوء الإلف ولا يعجبني أن تتركوا الحمام حتى PageV03P224 إذا صار في عدد المسان واكتهل وولد البطون بعد البطون وأخذ ذلك من قوة شبابه حملتموه على الزجل وعلى التمرين ثم رميتم به أقصى غاية لا ولكن التدريب مع الشباب وانتهاء الحدة وكمال القوة من قبل أن تأخذ القوة في النقصان فهو يلقن بقربه من الحداثة ويعرف بخروجه من حد الحداثة فابتدئوا به التعليم والتمرين في هذه المنزلة الوسطى .
الوقت الملائم لتمرين فراخ الحمام وهم إذا أرادوا أن يمرنوا الفراخ أخرجوها وهي جائعة حتى إذا ألقوا إليها الحب أسرعت النزول ولا تخرج والريح عاصف فتخرج قبل المغرب وانتصاف النهار وحذاقهم لا يخرجونها مع ذكورة الحمام فإن الذكورة يعتريها النشاط والطيران والتباعد ومجاوزة القبيلة فإن طارت الفراخ معها سقطت على دور الناس فرياضتها شديدة وتحتاج إلى معرفة وعناية وإلى صبر ومطاولة لأن الذي يراد منها إذا احتيج إليه بعد هذه المقدمات كان أيضا من العجب العجيب . PageV03P225
حوار يعقوب بن داود مع رجل في اختيار الحمام وحدثني بعض من أثق به أن يعقوب بن داود قال لبعض من دخل عليه وقد ذهب عني اسمه ونسيته بعد أن كنت عرفته : أما ترى كي أخلف ظننا وأخطأ رأينا حتى عم ذلك ولم يخص أما كان في جميع من اصطنعناه واخترناه وتفرسنا فيه الخير وأردناه به واحد تكفينا معرفته مؤنة الاحتجاج عنه حتى صرت لا أقرع إلا بهم ولا أعاب إلا باختيارهم قال : فقال له رجل إن الحمام يختار من جهة النسب ومن جهة الخلقة ثم لا يرضى له أربابه بذلك حتى ترتبه وتنزله وتدرجه ثم تحمل الجماعة منه بعد ذلك الترتيب والتدريب إلى الغاية فيذهب الشطر ويرجع الشطر أو شبيه بذلك أو قريب من ذلك وأنت عمدت إلى حمام لم تنظر في أنسابها ولم تتأمل مخيلة الخير في خلقها ثم لم ترض حتى ضربت بها بكرة واحدة PageV03P226