في ذكر اختلاف المذاهب
في انتقاض الوضوء بالقهقهة
وأدلة كل مذهب منها
اعلم أنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب:
- الأول -
إنها لا تنقض الوضوء
به قال ابن مسعود ، وجابر ، وعروة بن الزبير(2) ، والقاسم بن PageV01P013 محمد(1)، وسعيد بن المسيب(2)، وأبو بكر بن عبد الرحمن(3)، وسليمان بن يسار(4)، ومحكول(5).
وإليه ذهب مالك(6)، وأحمد(7)، ............................ PageV01P014
وأبو ثور(1)، والشافعي(2)، وداود(3)، وغيرهم، كذا حكاه العيني(4) في ((البناية شرح الهداية))(5).
واستدلوا على ذلك:
بأن القياس يأبى انتقاض الوضوء بها؛ لأنها ليست بنجس خارج حتى تكون حدثا،ألا ترى إلى أنها لا تنقض الوضوء خارج الصلاة،فكذا فيها.
والجواب عنه: إنه لا مجال للعقل بعد ورود النقل، والقياس إنما يجري في الأحكام القياسية لا في الأمور التي ورد الشرع بها، وهي مخالفة للقياس. PageV01P015
وقال العيني في ((البناية)): إن قلت ذكر البيهقي(1) عن الشافعي أنه لو ثبت حديث الضحك في الصلاة لقال به.
وقال ابن الجوزي(2): قال أحمد: ليس في الضحك حديث صحيح.
قلت(3): مذهب الشافعي أن المرسل إذا أرسل من وجه، وأسند من وجه آخر يقول به(4)، والحديث الذي ورد في هذا الباب أرسل من وجوه وأسند من وجوه، فيلزمه أن يقول به. PageV01P016
وقال ابن حزم(1): كان يلزم المالكيين والشافعيين لشدة تواتره عمن عد من مراسيله(2).
قلت(3): وكذا يلزم الحنابلة أيضا؛ لأنهم يحتجون بالمراسيل، وعلى تقدير أنهم لا يحتجون به، يقال لهم: إن أقل أحواله أن يكون ضعيفا، وهو مقدم عندهم على القياس.
والعجب منهم أنهم يقولون لعلمائنا: أصحاب الرأي، وينسبونهم(4) إلى ترك كثير من الأحاديث بالقياس، وهم تركوا حديثا رواه جماعة من الصحابة.
وأما قول أحمد، والذهبي(5) فنفي، وما ذكره أصحابنا إثبات، وهو مقدم على النفي على أنا نقول: عدم علم الشخص بشيء، لا(6) يكون حجة على من علمه قبله. انتهى كلامه(7).
* * *
- المذهب الثاني -
إنها ناقضة للوضوء إذا كانت في الصلاة PageV01P017 وبه قال أبو موسى الأشعري، والحسن البصري(1)، والثوري(2)، ومحمد بن سيرين(3)، والأوزاعي(4)، وعبيد الله(5). كذا قال العيني(6). PageV01P018
وهو قول النخعي(1)، كما في ((مسند الإمام أبي حنيفة)) الذي جمعه الخوارزمي(2): أبو حنيفة عن حماد(3) عن إبراهيم النخعي: في الرجل يقهقه في الصلاة، قال: يعيد الوضوء والصلاة، ويستغفر؛ فإنه أشد الحدث(4).
وإليه ذهب أصحابنا مستدلين بالحديث الذي رواه جماعة من الصحابة، والحديث مقدم على القياس. PageV01P019
فروى الطبراني(1) في ((معجمه)) عن أحمد بن زهير، حدثنا محمد بن عبد الملك، حدثنا محمد بن أبي نعيم الواسطي، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية(2)، عن
أبي موسى الأشعري قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي بالناس، إذ دخل رجل فتردى في حفرة كانت في المسجد، وكان في بصره ضرر، فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء، ويعيد الصلاة)(3). PageV01P020
وروى الدارقطني(1) عن عبد العزيز بن حصين، عن عبد الكريم بن أبي أمية، عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا: (إذا قهقه أعاد الوضوء والصلاة)(2).