ثنتان لم يكن لك واحدة منهما
: جعلت لك نصيبا حين أخذت
بكظمك؛ لأطهرك، وأزكيك. وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك" 1. رواه عبد بن حميد عن ابن عمر.
ش - الكظم -بالتحريك- هو مخرج النفس من الخلق وانقطاعه، والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى منح عباده خصلتين ليس لأحد خلقه تأثير فيهما. إحداهما: جعل الله للعبد نصيبا من ماله حين تخرج روحه، وينقطع نفسه لتطهير العبد به، وانتفاعه بعد موته، وتزكيته نفسه، والثانية: جعل صلاة العباد على الميت بعد انقضاء أجله زكاة له، وطهرا أيضا ينتفع بها يوم الحساب والجزاء. فانظر ما أكرم المولى وأرافه بعباده! وما أسوأ العبد المرتكب الذنوب! وما أهمله لأوامر ربه وخالقه! أليس الأجدر به أن يكون ملتزما لأحكام شرعه، وسنن نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يأتي إلا ما شرع، وأبيح له، ويتجنب المكروه والمبغوض، والممقوت لباريه ومولاه؟ اللهم اهدنا سبيل الصواب ووفقنا لما تحبه وترضاه يا أرحم الراحمين! PageV01P125
$ 102- " حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون، والصديقون، والشهداء" 1. رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، والقضاعي عن عبادة بن الصامت.
ش- حقت: وجبت. والمحبة: إرادة ما تراه، أو تظنه خيرا، أو: تعظيم في القلب يمنع الانقياد لغير محبوبه. وقد عرفها القوم وأهل التحقيق وعبروا عنها بعبارات كثيرة كل واحد نطق بحسب ذوقه، وانفسح بمقدار شوقه، وهي من الأمور الوجدانية الذوقية؛ التي إنما تعلم بآثارها، وعلاماتها، فكل من أدرك بعض علاماتها عبر بحسب ما أدركه، وهي وراء ذلك كله. PageV01P125
والمتحابون: تقدم الكلام عليه، والمتواصلون: جمع متواصل، وهو من كان بينك وبينه مواصلة، ووصلة، والوصل: ضد الهجران، يقال: وصلت الشيء بغيره، وصلا، فاتصل به، ووصلته، وصلا، وصلة: ضد هجرته. والمتناصحون: جمع متناصح، يقال: انتصح فلان: قبل النصيحة، وانتصحني فإني لك ناصح، وتنصح تشبه بالتنصح واستنصحه: عده نصيحا. والنصيحة: كلمة يعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحته، ونصحت له. والمتزاورون: جمع متزاور. وتزوار القوم: زار بعضهم بعضا. واستزاره: سأله أن يزوره. والمتباذلون: جمع متباذل، بذل الشيء: أعطاه، وجاد به عن طيب نفس، أي: الذين يجود أحدهم بمال، أو غيره لأخيه في الله، والآخر كذلك. وقوله: "يغبطهم" تقدم الكلام عليه. وقوله: "النبيون، والصديقون، والشهداء" قد ذكر قريبا، فارجع إليه، فلا حاجة إلى الإعادة، وتراجم رواة الحديث تقدم الكلام عليها كل راو في محله. والله أعلم.
والمعنى: أن الله تبارك اسمه، وتعاظمت صفاته أخبرنا: أن محبته قد وجبت لأنواع خمسة؛ الأول: المتحابون في الله عز وجل، يعني: أن أحدهم أحب الآخر لوجه الله جل، وعلا، لا لعلة دنيوية، ولا منفعة عظيمة أخروية، والمحبة تنقسم بحسب ثمرتها وآثارها إلى قسمين: مشتركة، وخاصة.
فالمشتركة ثلاثة أنواع؛ أحدهما: محبة طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، وغير ذلك. وهذه لا تستلزم التعظيم. والنوع الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، ونحوها، وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم. والنوع الثالث: محبة أنس، وإلف، وهي محبة المشتركين في صناعة، أو علم، أو مرافقة، أو تجارة، أو سفر بعضهم بعضا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا، فهذه الأنواع الثلاثة هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء، والعسل، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع. وكان يحب نساءه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق.