شرح حديث: أنا أغني الشركاء عن الشرك
...
(58) " أنا أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري؛ فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك" 1. رواه مسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة PageV01P083
شرح حديث: أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملا
...
(59) "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري؛ تركته وشركه". رواه مسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة
ش- الغني-بكسر الغين المعجمة مقصورا- يقال على أضرب، أحدها: عدم الحاجات، والفاعل منه: هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد يحتاج إليه هو الغني المطلق، ولا يشارك الله فيه غيره، ومنه قوله تعالى: {والله هو الغني الحميد} [فاطر:15] والثاني: قلة الحاجات، وهو المشار إليه بقوله تعالى: {ووجدك عائلا
فأغنى} [الضحى:8] وذلك هو المذكور في قوله عليه الصلاة والسلام: "الغنى غنى النفس" والثالث كثرة القينات بحسب ضروب الناس، كقوله جل ذكره:
{ومن كان غنيا فليستعفف} [النساء:6] وعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما أرسله إلى اليمن في شأن الصدقة، "تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم"1، ولفظ "أغنى": أفعل تفضيل؛ أي: أكثر غنى من غيره، وليس على بابه؛ إذ لا غنى في الحقيقة بل الكل محتاج إليه.
والشركاء: جمع شريك، ومن هذه المادة الشركة، والمشاركة، وهو: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدا عينا كان ذلك الشيء، أو معنى كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية، ومشاركة فرس وفرس في الكمتة، والدهمة.
قال الراغب: وشرك الإنسان في الدين ضربان؛ أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى، يقال: أشرك فلان بالله، وذلك أعظم كفر، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 116] وقال تعالى: {من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} [المائدة: 72] وقال تعالى: {يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا} [الممتحنة: 12] وقال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا} [الأنعام: 148] .
والثاني: الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء، والنفاق المشار إليه بقوله: {شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون} [الأعراف: 190] وقوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف:106] .
وقوله: "برئ" اسم فاعل؛ أي: خالص، ومفارق، وسالم منه، يقال: برئت من الشيء، أبرأ، براءة، وأنا منه بريء: إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ما بينك وبينه، قال ابن الأعرابي2: البريء: المتفصي من القبائح، المتنحي عن الباطل PageV01P084
والكذب، البعيد من التهم، التقي القلب من الشرك، والبريء: الصحيح الجسم، والعقل.
والمعنى والله أعلم: أن هذا الفعل الذي اتصف به العبد، وصدر منه، لا يرضى به الله تبارك وتعالى، بل يسخطه.
وقوله في الحديث الثاني: "تركته وشركه" الشرك هنا بمعنى العمل، والواو عاطفة بمعنى مع؛ أي: أجعله وعمله مردودا من حضرتي.
والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أخبر: أنه أغنى الشركاء عن الشرك؛ أي: لا يصح أن يكون له شريك، فإذا كان بغض الشركاء غني عن الشركاء، فالله أغنى عن ذلك، وأبعد فإذا عمل العبد عملا فواجب عليه أن يخلص فيه لله جل ذكره، ولا يشرك فيه غيره جل، وعز، فإذا أشرك العبد بعمله. غير الله تعالى؛ فهو مردود عليه ذلك العمل، والله تعالى بريء من عمله ذلك. وعمل العبد الذي أشرك فيه غير الله فليطلب جزاءه من الشريك الذي أشركه مع الله تعالى في عمله، وأنى له ذلك!