شرح حديث: أنا الرحمن خلقت الرحم
...
(53) "أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها، وصلته، ومن قطعها، قطعته، ومن ثبتها، ثبته، إن رحمتي سبقت غضبي". رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن ابن عوف1: والحاكم، والخرائطي، والخطيب، عن أبي هريرة2.
ش- الرحم -بفتح الراء وكسر الحاء المهملة-: يطلق على الأقارب، وهم من بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أم لا، سواء كان ذا محرم أم لا، وقيل: هم المحارم فقط، والأول هو المرجع؛ لأن الثاني يستلزم خروج أولاد الأعمام، وأولاد الأخوال من ذوي الأرحام؛ وليس كذلك.
ووصل الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، PageV01P070
والتعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا، أو أساؤوا، وقطع الرحم ضد ذلك كله، يقال: وصل رحمه، يصلها، وصلا، وصلة، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر، ومعنى شققت لها اسما من اسمي: أي: أخرجت، وأخذت لها اسما من اسمي الرحمن، فلها به علقة.
وقوله: "ومن ثبتها ثبته" هو من التثبيت، وهو بمعنى وصلها، وفيه تكرار مع ما قبله، وفي نسخة: "ومن بتها" بالباء الموحدة، من البت، وهو القطع، وهي موافقة لما في كتاب الإتحافات السنية للمدني. والله أعلم.
ففي الحديث تعظيم أمر صلة الرحم، والعطف عليهم، وتفقد أحوالهم، وكل شخص بحسب ما يليق بحاله. قال القرطبي: الرحم التي توصل عامة وخاصة، فالعامة: رحم الدين. وتجب مواصلتها بالتوادد، والتناصح، والعدل، والإنصاف، والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة. وأما الرحم الخاصة: فتزيد النفقة على القريب، وتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم، وتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك. قال الإمام الحافظ ابن أبي جمرة1: تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفارا، أو فجارا؛ فمقاطعتهم في الله هي صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسب تخلفهم عن الحق، ولا تسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب، أو يعودوا إلى الطريق المثلى. والله أعلم.
وقد جاء في كثير من الأحاديث أن صلة الأرحام من أفضل الأعمال، منها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك" 2 وروي PageV01P071
الحاكم من حديث عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عقبة! ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك" 1.
وقول المصنف: رواه أحمد، والبخاري؛ أي: رواه أحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرد، وعزا هذا الحديث الحافظ ابن حجر في الفتح إلى أصحاب السنن.
وأحمد رحمه الله تعالى: هو الإمام الحافظ، الورع، الزاهد، المجتهد، رأس أهل السنة والجماعة، ومؤسس المذهب الحنبلي، من أجمعت الأمة على جلالته، وأمانته، وحفظه، وإتقانه، شيخ الإسلام أبو عبد الله أحمد بن حنبل، المتوفى سنة 241ه.