كتاب
كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع لابن حجر الهيتمي
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين (1)
الحمد لله الذي حظر مواطن اللهو على عباده، وخلص من ريبه وشبهه المصطفين لقربه ووداده؛ لما امتن به عليهم فعرفهم دسائس النفوس المانعة من فهم حكمه ومراده، وكشف لهم عن تسويلات الشيطان لا سيما على قوم زعموا التصوف والعرفان، وغفلوا عن قول أعظم الصديقين بعد الأنبياء والمرسلين: ((أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله؟)) (2)، صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم، لما غلب عليهم من الشهوات ومحبة البطالات، والسعي في جلب فسقة العامة إلى مجالسهم لينالوا من حطامهم وخسائسهم الجالبة لهم إلى القطيعة، لعدم عملهم (3) بما قاله أئمة الحقيقة والشريعة (4)، فحمدا لك اللهم أن وفقتنا لرد سقطاتهم الشنيعة، وتقولاتهم الفظيعة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أنجو بها من مكائد الشيطان وموالاته، ومن حمل أحد من الخاصة أو العامة على سماع مزاميره الموجب لسروره وظفره منهم بغاية مراداته. PageV01P011
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، الذي أرسله الله قاصما لأعدائه بواضح براهينه [وبيناته] (1) صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم المبرئين من سفساف أهل الحظوظ والشهوات، والموفقين لصرف جميع الأوقات في مهمات العبادات، لا سيما نفع المسلمين بتمهيد قواعد الدين، والرد على المبطلين الذي ضلوا سواء السبيل، واتخذوا مزامير الشيطان شفاء للغليل، زاعمين زيادة معارفهم بذلك، وما درى الأشقياء أن أقدامهم زلت عن سنن المسالك، وأقلامهم سجلت عليهم بأعظم المهالك؛ لأنهم سنوا سننا سيئة مصحوبة بالإلحاد والعناد، فباؤوا بوزرها، ووزر من يعمل بها إلى يوم يرون جزاء ذلك على رؤوس الأشهاد، أعاذنا الله من أمثال هذه القواطع، وجعلنا ممن ذب عن شريعته الغراء الواضحة [ز1/ 1/أ] البيضاء بالبراهين القواطع، وأدام علينا رضاه في هذه الدار وإلى أن نلقاه، إنه الجواد الكريم الرؤوف الرحيم.
أما بعد: فإني أثناء شهر ربيع سنة ثمان وخمسين وتسعمائة دعيت إلى نسيكة (2) لبعض الأصدقاء، فوقع السؤال عن فروع تتعلق بالسماع، فأغلظت في الجواب عنها وفي الرد على من زل فهمه أو قلمه فيها، فقيل لي عن كتاب لبعض المصريين بلدا، التونسيين محتدا، المالكيين معتقدا، المتصوفين ملتحدا، أنه بالغ في حل ذلك بتأليف كتاب سماه "فرح الأسماع برخص السماع" (3) فبالغت في الرد عليه في ذلك المجلس، فبعد مدة أرسل PageV01P012
لي بعض رؤساء مكة الكتاب، وطلب مني كتابة عليه حتى يتبين ما فيه، ويظهر زيغه الذي اشتمل [عليه] قوادمه وخوافيه، وأكد على ذلك، فعزمت على إجابته لأفوز بأجر هذا الأمر ومثوبته؛ لعلمي بأن أبناء الزمان الذين غلب عليهم الخسار والهوان عكفوا على كتابة ذلك الكتاب، واتخذوه لسماع تلك المحرمات أعظم الأسباب، وظنوا أنه الحق الواضح، وأن مؤلفه المرشد الناصح، جهلا منهم بالحقائق، وإصغاء لكل ناعق وناهق، فتجاهروا بها بين الملا، فضلا عن السر والخلا، في بلد الله وحرمه، ومظهر جوده وكرمه، ولم يخشوا يوم المعاد، ولا عظموا حرمة أفضل البلاد، وزادوا في ذلك حتى كسرت من آلاتهم بيدي عدة عديدة، ولزمت ذلك معهم مدة مديدة، ورفعت أقواما منهم إلى حكام الشريعة تارة، والسياسة أخرى، بحسب جرأة الفاعلين الموجبة لحسرتهم في الدنيا والأخرى، وشددت عليهم إلى أن عاقبوهم بما يناسب جرأتهم، وأشهروا تعزيرهم في الأسواق، لتعلم سرائرهم، فخمدوا بحمد الله - تعالى - عن ذلك، ولزموا التحفظ عن أن يحوموا حول تلك المسالك، فتمادى بي الاشتغال في هذه السنة ب"شرح المنهاج" عن أكثر المهمات؛ لظني أنه الأهم وأن كل شافعي إليه محتاج، إلى ثالث يوم من شهر رجب شهر الله الأصب، فسمعت أن جماعة من علماء البلدان النائية حضروا مجلسا جرى فيه ذكر ذلك، فتباينت [ز1/ 1/ب] أقوالهم، واضطربت أحوالهم، وأصغى جمع منهم إلى من لا يعتد به في تحليل ولا تحريم، بل ربما يخشى عليه الدخول في ورطة المشار إليهم بقوله - تعالى عز قائلا -: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا