فمن قال لآخر: يا عديم الدين، نقول له: ما الذي أردته بذلك؟ فإن قال: أردت أن ما هو عليه من الدين لا يسمى دينا، قلنا له: قد كفرت، فإن لم تسلم، وإلا ضربنا عنقك، وإن قال: أردت أنه لا دين له في المعاملات ونحوها، قلنا: لا كفر عليك، لكن عليك التعزير الشديد اللائق بك، وإن قال: لا نية لي، قلنا له: فهل تعتقد أنه يحل لك أن تقول له ذلك؟ فإن قال: نعم، قلنا له: كفرت إن كان ذلك مما لا يخفى عليك بناء على ما مر، وإن قال: لا أستحل ذلك أو كان ممن تخفى عليه ذلك قلنا: عليك التعزير لأنك ارتكبت معصية ليست كفرا، وإلى هذا التفصيل كله المستفاد مما قررته في يا كافر أشرت بقولي في الجواب السابق: بل ربما يكون قوله: يا عديم الدين كفرا.
وإذا تمهدت حقيقة ما أجبت به، فلترجع إلى
رد كلام المعترضين
، وهو لركاكته وكونه بالخيال أشبه غني عن الرد، لكن في ضمن رده فوائد، فأما قول من قال: هذا الإفتاء كفر لاقتضائه أن قائل هذا اللفظ يكفر مطلقا وليس كذلك، ومن كفر مسلما فقد كفر، فيرد عليه بأمور:
منها: أن دعواه اقتضاء قولي: ربما إلى آخره الكفر مطلقا مجازفة وجهل بمدلولات الألفاظ، فإن مدلول "ربما" أنه له حالة يكون فيها كفرا، وحالة لا تكون PageV01P065 # فيها كفرا، وهذا جلي واضح فلا نطيل فيه؛ لأن الكلام فيه لا يليق بهذا المصنف المبني على غاية من الإتقان والتحرير.
ومنها: أن احتجاجه بما ذكر مكفر له صريحا، فإنه كفر مسلما من غير تأويل؛ لأن المفتي إذا أفتى بحكم فلا يخلو إما أن يكون حقا أو خطأ، فإن كان حقا فلا كلام في تكفير مكفره، وإن كان خطأ فكذلك، وإن تعمد الخطأ؛ لأنه لم يتعمد تكفير أحد بعينه، إذ المفتي لا يفتي على أحد معين. والعجب من جرأته كيف يكفر غيره، ويستدل بما يكفر به نفسه؟
فإن قلت: فلم ذكرت هذه الإشارة الخفية ولم تفصل في الجواب، كما فصلت هنا، ولا أطلقت القول بالحرمة كما في الأذكار؟
قلت: إيثارا للاختصار، وحذرا من الوقوع في ورطة الإطلاق، فإنه قال في آداب المفتي من الروضة: وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق الجواب فإنه خطأ بالاتفاق، وليس له أن يكتب الجواب على ما يعلمه من صورة الواقعة إذا لم يكن في الواقعة تعرض له. انتهى.
وليس الإطلاق في المصنفات كالإطلاق في الفتاوى، فإن الناظر في المصنفات لا يقتصر على مصنف واحد وإلا كان مقصرا، بخلاف المستفتي، فإنه لا أهلية له في النظر في المصنفات حتى يعلم حكم الواقعة، وإنما الواجب عليه دفعها للمفتي، فمتى أفتاه وأطلق له في محل التفصيل ألجأه إلى الوقوع في الخطأ، فكان المفتي مخطئا اتفاقا.
وأيضا فالمصنفات تكثر مسائلها، فلو كلف المصنفون إلى استيعاب سائر التفاصيل في كل مسألة لشق عليهم، بل عجزت عن ذلك قدرتهم، فساغ لهم ذكر أصول المسائل، والإطلاق في بعض الأبواب اتكالا على فهم التفصيل من محل آخر، وغير ذلك مما لا يخفى على ناظر في كتبهم.
وأيضا فإنما لم أفصل في الجواب تفصيلا واضحا قصدا لستر المعنى المكفر عن العامة حتى لا تتطرق إليه أفهامهم، فإن غالب فطرهم سليمة، ولا يقصدون بقولهم لبعضهم: يا كافر يا عديم الدين إلا كفر النعمة، أو: يا من فعله كفعل PageV01P066 # الكافر ونحو ذلك مما لا يقتضي الكفر، فأبرزت لهم أن هذا اللفظ قد يكون كفرا ليحذروه ويبعدوا عنه، ولم أبين لهم الوجه المكفر سترا له عليهم لئلا يسمعه أحدهم فيكون سببا له في أنه ربما يقصده، فكان ما فعلته من الإشارة إلى التفصيل به ب: "ربما"، ومن ترهيبهم بأن ذلك كفر أبلغ وأولى، والله سبحانه وتعالى يوفق من شاء لما يشاء.