والجمهور على كراهة إجارة الإنسان نفسه للحج، وينبغي حمله على من قصد الدنيا، أما من قصد الآخرة لاحتياجه للأجرة ليصرفها في واجب أو مندوب. . فلا كراهة في حقه.
* * * PageV01P283
الحديث العاشر [كسب الحلال سبب لإجابة الدعاء, وأكل الحرام يمنعها]
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا}، وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} "، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟! رواه مسلم (¬1).
(عن أبي هريرة رضي الله) تعالى (عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى طيب) أي: طاهر منزه عن النقائص وكل وصف خلا عن الكمال المطلق، أو طيب الثناء، أو مستلذ الأسماء عند العارفين بها، وعلى كل فهو من أسمائه الحسنى؛ لصحة الحديث به كالجميل (¬2).
قيل: ومثلهما النظيف، ورد: بأن حديثه لم يصح؛ أي: وهو: "إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، جواد يحب الجواد" خرجه الترمذي، وفي إسناده مقال (¬3). PageV01P284
(لا يقبل) من الأعمال والأموال (إلا طيبا) أي: لا يثيب إلا على ما يعلمه طيبا؛ أي: خالصا من المفسدات كلها كالرياء والعجب، أو حلالا، سواء أكان بالنسبة لعلمنا أم مشتبها، وأما الحرام عنده. . فلا يثيب عليه وإن كان حلالا عندنا.
نعم؛ القياس أن من تصدق بما يظنه حلالا وهو حرام باطنا أنه يثاب على قصده الطاعة (¬1)، وبما قررته يندفع ما أطال به بعض الشراح هنا في معنى القبول، وإنما لم يقبل الله الصدقة بالمال الحرام؛ لأن المتصدق تصرف فيه، وهو ممنوع من التصرف فيه؛ لكونه ملك الغير، فلو قبل منه. . لزم أن يكون مأمورا به منهيا عنه من جهة واحدة، وهو محال، وهذا معنى ما فهم من فحوى الحديث أن بين الطيب لذاته المقتضي للقبول، والخبيث لذاته المقتضي لعدمه تضادا يحيل اجتماعهما.
ثم الصدقة بالمال، الحرام إما أن تكون من نحو الغاصب عن نفسه، فهذا هو المراد من الأحاديث الكثيرة في ذلك، المصرحة بأنه لا يقبل منه، وأنه لا يؤجر عليه، بل يأثم به، ولا يحصل للمالك بذلك أجر على ما قاله جمع، ونقل عن ابن المسيب.
وأما عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته. . فهذا جائز عند أكثر العلماء، فيكون نفعه له في الآخرة حيث تعذر عليه الانتفاع به في الدنيا.
وقال الفضيل في مال حرام لا يعرف أربابه: (يتلف ويلقى في البحر، وهو بعيد) (¬2).
وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: (يحفظ إلى وجود مستحقه إن رجي) (¬3). PageV01P285