وفي الحديث دلالة للقاعدة الأصولية: أن مطلق النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهي عنه مخترع محدث، وقد حكم عليه بالرد المستلزم للفساد، وزعم أن القواعد الكلية لا تثبت بخبر الآحاد. . باطل لا يعول عليه.
وفيه أيضا: دلالة على عدم انعقاد العقود الممنوعة، وعدم ترتب أثرها عليه (¬2).
* * * PageV01P230
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات. . فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات. . وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت. . صلح الجسد كله، وإذا فسدت. . فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" رواه البخاري ومسلم (¬1).
(عن أبي عبد الله النعمان بن بشير) بفتح الموحدة، الأنصاري الخزرجي، وأمه صحابية، أخت عبد الله بن رواحة، وأبوه بشير صحابي أيضا (¬2)، وهو القائل: (يا رسول الله؛ علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك. . .) الحديث (¬3)، فلذلك قال المصنف: (رضي الله) تعالى (عنهما). PageV01P231
ولد على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة على الأصح، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة، كما أن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما المولود معه في عامه أول مولود ولد للمهاجرين.
قيل: روي له مئة حديث وأربعة عشر حديثا.
ولي الكوفة لمعاوية، ثم ولي حمص ودعا لابن الزبير، فطلبه أهلها فقتلوه بقرية من قراها سنة أربع وستين.
ولم ينفرد برواية هذا الحديث، بل رواه أيضا سبعة من أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنهم (¬1).
(قال: سمعت) في رواية: أنه أهوى إلى أذنيه بإصبعيه (¬2)، ففيها تأكيد التصريح بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الصحيح، ولا التفات إلى خلاف فيه، قاله المصنف (¬3).
(رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحلال) هو كالحل ضد الحرام لغة وشرعا، ويأتي (حل) بمعنى مقيم؛ كما في: {وأنت حل بهذا البلد}.
(بين) أي: ظاهر، وهو ما نص الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه، أو جنسه، ومنه أيضا: ما لم يعلم فيه منع على أشهر القولين كما يأتي.
(وإن الحرام بين) وهو ما نص أو أجمع على تحريمه بعينه أو جنسه، أو على أن فيه حدا، أو تعزيرا، أو وعيدا.
ثم التحريم: إما لمفسدة أو مضرة خفية كالزنا، ومذكى المجوس، وإما لمفسدة أو مضرة واضحة كالسم، والخمر.
وبيانه: أن المنتفع به إما معدن، أو نبات، أو حيوان، وتوابعه، فالمعادن PageV01P232 # بأسرها حلال إلا الضار، على أنه لا يختص بها، بل لو ضر العسل بعض المحرورين. . حرم عليه أكله، والنبات كذلك، إلا ما زال الحياة كالسم، أو العقل كالخمر، وسائر المسكرات، والمخدرات؛ كالحشيشة، والأفيون، والبنج، وكذا جوزة الطيب، كما أفتيت به، ونقلت فيه نص أرباب المذاهب الثلاثة: الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وأن ذلك هو مقتضى كلام الحنفية، فاشدد يديك على هذه الفائدة؛ لئلا تقع فيما وهم فيه كثيرون من أنه لا كلام فيها لأحد (¬1).