تنبيه [ثبوت عموم الحديث ووجوب تكرر الأركان من أدلة أخرى]
هذا الحديث وإن كان مطلقا في الأزمان، إلا أنه ثبت عمومه فيها، ووجوب تكرر تلك الأركان من أدلة أخرى تفصيلية، وهي لشهرتها غنية عن ذكرها.
(أخرجه البخاري) في (الإيمان) و (التفسير) رباعيا (¬1)، (ومسلم) في (الإيمان) و (الحج) خماسيا (¬2).
وهو حديث عظيم، أحد قواعد الإسلام، وجوامع الأحكام؛ إذ فيه معرفة الدين وما يعتمد عليه، ويجمع أركانه، وكلها منصوص عليه في القرآن، وهو داخل في ضمن حديث جبريل؛ فلذا اكتفينا بما بسطناه ثم.
* * * PageV01P196
الحديث الرابع [مراحل خلق الإنسان وتقدير رزقه وأجله وعمله]
عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها" رواه البخاري ومسلم (¬1).
(عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) ابن غافل، بمعجمة وفاء، ابن حبيب الهذلي، وهذيل بن مدركة، وكان أبوه مسعود حالف في الجاهلية عبد الحارث بن زهرة، وأمه أم عبد هذلية أيضا.
أسلم قديما بمكة سادس ستة لما مر به صلى الله عليه وسلم وهو يرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فقال له: "يا غلام؛ هل من لبن؟ " قال: نعم، ولكني مؤتمن (¬2)، قال: "فهل من شاة لا ينزو عليها الفحل؟ " فأتاه بها، فمسح ضرعها، PageV01P197 # فنزل لبن، فحلبه في إناء، فشرب منه، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: "اقلص" فقلص (¬1).
ثم هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وشهد بدرا، وبيعة الرضوان، والمشاهد كلها، وصلى إلى القبلتين، وكان صلى الله عليه وسلم يكرمه ويدنيه ولا يحجبه؛ فلذلك كان كثير الولوج عليه صلى الله عليه وسلم، ويمشي أمامه ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، ويلبسه نعليه إذا قام، فإذا جلس. . أدخلهما في ذراعيه، وكان مشهورا بين الصحابة رضي الله عنهم بأنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسواكه، ونعليه، وطهوره في السفر.
وبشره صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقال: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد" (¬2).
وكان شبيها برسول الله صلى الله عليه وسلم في سمته وهديه ودأبه، وكان خفيف اللحم، شديد الأدمة، نحيفا، قصيرا جدا نحو ذراع، ولما ضحك الصحابة رضي الله عنهم من دقة رجليه. . قال صلى الله عليه وسلم: "لرجل عبد الله في الميزان أثقل من أحد" (¬3).
ولي قضاء الكوفة ومالها في خلافة عمر رضي الله عنه وصدرا من خلافة عثمان PageV01P198 # رضي الله عنه، ثم رجع إلى المدينة ومات بها -وقيل: بالكوفة- سنة اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة، وصلى عليه الزبير ليلا، ودفنه بالبقيع بإيصائه له بذلك؛ لكونه صلى الله عليه وسلم كان قد آخى بينهما.