الحديث الثالث [أركان الإسلام]
عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بني الإسلام علي خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان" أخرجه البخاري ومسلم (¬1).
(عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما) أشار به إلى أنه ينبغي لكل من ذكر صحابيا أبوه صحابي أن يترضى عنهما.
وابن عمر هذا كان من فقهاء الصحابة ومفتيهم وزهادهم، واعتزل الفتنة، فلم يقاتل مع علي ولا مع معاوية ورعا، ثم لما بانت له الفئة الباغية. . ندم على عدم قتاله مع علي كرم الله تعالى وجهه.
ولد قبل البعثة بسنة، أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير، وقيل: قبله، وهاجر معه، وقيل: قبله، ولم يشهد بدرا، وكان عمره عام أحد أربع عشرة سنة، فاستصغره صلى الله عليه وسلم، ثم في عام الخندق بلغ خمس عشرة سنة، فأجازه صلى الله عليه وسلم، ثم لم يتخلف بعد عن سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال صلى الله عليه وسلم لشقيقته حفصة رضي الله تعالى عنها: "إن أخاك رجل صالح لو أنه يقوم الليل" (¬2) فلم يترك قيامه بعد. PageV01P188
قال جابر: (ما منا إلا من نال من الدنيا ونالت منه إلا عمر وابنه) (¬1).
وأولع بالحج أيام الفتنة وبعدها، وكان من أعلم الناس بالمناسك، وكثير الصدقة، سيما بما يستحسنه من ماله، ولما عرفت أرقاؤه منه ذلك. . كانوا يقبلون على الطاعة ويلازمون المسجد؛ ليعتقهم، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: (من خدعنا بالله انخدعنا له) (¬2)، قال نافع: أعتق ألف رقبة أو أزيد.
قيل: وحج ستين حجة، واعتمر ألف عمرة، وحمل على ألف فرس في سبيل الله تعالى.
مات عن ست وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة، توفي بمكة سنة ثلاث وسبعين شهيدا، فإن الحجاج سفه عليه، فقال له عبد الله: (إنك سفيه مسلط)، فعز ذلك عليه، فأمر رجلا فسم زج رمحه (¬3)، فزحمه في الطواف ووضع الزج على قدمه، فمرض أياما، ولما دخل الحجاج ليعوده فسأله عن الفاعل وقال: قتلني الله إن لم أقتله. . قال: (لست بفاعل)، قال: ولم؟ قال: (لأنك الذي أمرت به) (¬4)، فأوصى أن يدفن في الحل، فلم تنفذ هذه الوصية، فدفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين، وقيل: بفخ.
روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم ألف حديث وست مئة وثلاثون حديثا، اتفق الشيخان منها على مئة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين.
(قال: سمعت رسول الله) وفي نسخة: النبي (صلى الله عليه وسلم يقول: بني الإسلام) أي: أسس، واستعمال البناء الموضوع للمحسوسات في المعاني مجاز، علاقته المشابهة، شبه الإسلام ببناء عظيم محكم، وأركانه الآتية بقواعد ثابتة محكمة حاملة لذلك البناء، فتشبيه الإسلام بالبناء استعارة بالكناية، وإثبات البناء له استعارة ترشيحية. PageV01P189
(على) دعائم أو أركان (خمس) وهي خصاله المذكورة، قيل: المراد القواعد، ولذلك لم تلحقها التاء، ولو أراد الأركان. . لألحقها، وفيه نظر؛ لأن المعدود إذا حذف. . يجوز حذف التاء؛ نحو: {أربعة أشهر وعشرا}، "من صام رمضان، وأتبعه ستا من شوال. . كان كمن صام الدهر كله" (¬1)، فلا دليل فيه على أن المراد واحد منهما.