وأما الزهد في الحرام. . فواجب عام، وفي المشتبه فمندوب عام، وقيل: واجب؛ كما مر ذلك مبسوطا بأدلته مع بيان الرد على من اعتمد الوجوب.
(في الدنيا) باستصغار جملتها، واحتقار جميع شأنها؛ لتصغير الله تعالى لها، وتحقيره إياها، وتحذيره من غرورها في آي كثيرة من كتابه العزيز؛ نحو: {قل متاع الدنيا قليل}، {فلا تغرنكم الحياة الدنيا}، {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء}. . . إلى {صراط مستقيم}، {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد} لأن استصغارها واحتقارها كذلك يستلزم إهانتها، وترك ما لا قربة فيه من لذاتها، والإعراض عن شهواتها وراحاتها، والاقتصار على أدنى ما يقيم نفسه، اللهم إلا زائدا ندب أخذه؛ كاتخاذ ثوب ثان لنحو جمعة أو عيد بقصد إظهار النعمة؛ لأنه تعالى يحب إظهار أثر نعمته على عبده كما في الحديث، أو راحة ندب فعلها كنوم القيلولة؛ للاستعانة به على قيام الليل.
فالزاهد: المستصغر المحتقر للدنيا كما تقرر، فلا يفرح بشيء منها، ولا يحزن على فقده، ولا يأخذ منها إلا ما يعينه على طاعة ربه، أو ما أمر بأخذه، مع دوام الذكر والمراقبة والتفكر في الآخرة، وهذا أرفع أحوال الزهد؛ إذ من وصل إليه. . PageV01P500
إنما هو في الدنيا بشخصه فقط، وأما بمعناه. . فهو مع الله تعالى بالمراقبة والمشاهدة لا ينفك عنه.
واعلم: أن العلماء فسروا الدنيا بأنها ما حواه الليل والنهار، وأظلته السماء، وأقلته الأرض، واختلفوا في المزهود فيه منها، فقيل: الدينار والدرهم، وقيل: المطعم، والمشرب، والملبس، والمنكح، والمسكن، وقيل: الحياة.
والوجه كما علم مما مر: أنه كل لذة وشهوة ملائمة للنفس مما ذكر وغيره، حتى الكلام بين مستمعين له ما لم يقصد به وجه الله تعالى، وفي حديث مرفوع خرجه الترمذي وقال: غريب، وفي إسناده من هو منكر الحديث، وابن ماجه: "الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا: ألا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك" (¬1) ولا يعارض ما مر في تفسير الزهد؛ لأن الترمذي قال: إنه غريب، وفي سنده من هو منكر الحديث.
ولأن أحمد رواه موقوفا على أبي مسلم الخولاني بزيادة: (وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء) (¬2) وهو الصحيح، وقد اشتمل على تفسير الزهد في الدنيا بثلاثة أمور كلها من أعمال القلب دون الجوارح، ومن ثم كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحد بالزهد؛ لأنه في القلب.
ومنشأ أول تلك الثلاثة (¬3): من صحة اليقين وقوته، فإنه تعالى تكفل بأرزاق عباده كما في آيات كثيرة من كتابه، وفي حديث مرفوع: "من سره أن يكون أغنى الناس. . فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده" (¬4).
وقال الفضيل: (أصل الزهد الرضا عن الله عز وجل) (¬5). PageV01P501
والقنوع هو الزهد، وهو الغنى، فمن حقق اليقين. . وثق في أموره كلها بالله تعالى، ورضي بتدبيره له، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاء وخوفا، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك. . كان زاهدا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس وإن لم يكن له شيء من الدنيا.