ويرد: بأن سبب النهي ما كان وقع من بعض الصحابة تعنتا وامتحانا له صلى الله PageV01P497 # عليه وسلم، كما مر في شرح (التاسع) مبسوطا (¬1)، فاختص النهي ببحث يؤدي إلى محظور، وأما القياس. . فلا محظور فيه بوجه، فكيف ينهى عنه؟! على أن أدلة جوازه، بل وجوبه قطعية، فلا تعارض بمثل هذا الظن المحتمل.
وهذا الحديث من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم الموجزة البليغة، بل قال بعضهم: ليس في الأحاديث حديث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه منه؛ أي: لأنه قسم فيه أحكام الله إلى أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكام الدين كلها.
ومن ثم قال ابن السمعاني: (من عمل به. . فقد حاز الثواب، وأمن العقاب؛ لأن من أدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه. . فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدين؛ لأن الشرائع لا تخرج عن الأنواع المذكورة فيه) (¬2).
أي: لتضمنه جميع قواعد الشرع وأحكامه وآدابه؛ إذ الحكم الشرعي إما مسكوت عنه، أو متكلم به؛ وهو إما مأمور به وجوبا أو ندبا، أو منهي عنه تحريما أو كراهة، أو مباح، فالواجب حقه ألا يضيع، والحرام حقه ألا يقارب، والحدود -وهي الزواجر الشرعية كحد الردة والزنا والسرقة والشرب- حقها أن تقام على أهلها من غير محاباة ولا عدوان، وورد: "حد يقام في الأرض خير من مطر أربعين صباحا" (¬3).
وقد تطلق الحدود على المحارم فقط، ومنه: {تلك حدود الله فلا تقربوها}، وخبر الطبراني والبزار: "إني آخذ بحجزكم، اتقوا النار، اتقوا الحدود" (¬4).
* * * PageV01P498
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ دلني علي عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس, فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله, وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" حديث حسن, رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة (¬1).
(عن أبي العباس) وقيل: أبي يحيى (سهل) وقيل: سعد (بن سعد الساعدي) الأنصاري الخزرجي المدني، كان يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم ابن خمس عشرة سنة (¬2)، ومات سنة ثمان وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين بالمدينة، وهو آخر من مات بها من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على قول، وقيل: جابر كما مر.
وأحصن سبعين امرأة، وشهد قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين. وكان اسمه حزنا فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سهلا (¬3).
(رضي الله) تعالى (عنه) ينبغي (عنهما) لأن أباه صحابي، روي له مئة حديث وثمانية وثمانون، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر.
(قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ دلني على عمل إذا عملته. . أحبني الله وأحبني الناس، فقال: ازهد) من الزهد بضم أوله، وقد PageV01P499 # يفتح؛ وهو لغة: الإعراض عن الشيء احتقارا له، من قولهم: شيء زهيد؛ أي: قليل، وفي خبر: "إنك لزهيد" (¬1)، وفي آخر: "أفضل الناس مؤمن مزهد" (¬2) أي: قليل المال، وزهيد الأكل: قليله.
وشرعا: أخذ قدر الضرورة من الحلال المتيقن الحل, فهو أخص من الورع؛ إذ هو ترك المشتبه، وفيهما أقوال أخر، وهذا هو زهد العارفين، وهو المراد هنا، وأعلى منه زهد المقربين؛ وهو الزهد فيما سوى الله من دنيا وجنة وغيرهما؛ إذ ليس لصاحب هذا الزهد مقصد إلا الوصول إليه تعالى والقرب منه، ويندرج فيه كل مقصود لغيرهم (كل الصيد في جوف الفرا) (¬3).