تنبيهان
أحدهما [عدم التفرقة فيمن حفظ أربعين صحيحة وحسنة، وضعيفة في الفضائل]
لا فرق بين حفظ أربعين صحيحة وحسنة، وكذا ضعيفة في الفضائل؛ للعمل بها فيها لا في الحلال والحرام؛ لامتناع العمل بها فيهما، فلم يحفظ على الأمة ما ينفعهم، بل ما يضرهم. PageV01P103
ثانيهما [حفظ الأربعين مختص بالحديث الشريف]
لا شاهد في الحديث؛ لقول إلكيا من أصحابنا (¬1): (من حفظ أربعين مسألة. . فهو فقيه) (¬2) لأن الوعد السابق يحصل بحفظ أربعين حديثا ولو في مسألة واحدة، ومع ذلك يحشر في زمرة الفقهاء؛ لما مر: أن الحشر في زمرتهم لا يستدعي إلا أن يكون بينه وبينهم نوع نسبة دون حقيقة المساواة، ونظر فيه الرافعي أيضا (¬3): بأن حفظ الشيء غير حفظه على الغير.
قيل: وجه إيثار هذا العدد بذلك: ما أشار إليه بشر الحافي رحمه الله تعالى بقوله: (يا أهل الحديث؛ اعملوا من كل أربعين حديثا بحديث) (¬4)؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "أدوا ربع عشر أموالكم؛ من كل أربعين درهما درهم" (¬5) أي: بشرط بلوغ دراهمه مئتي درهم؛ إذ لا وجوب في أقل منها، فهي -أعني: الأربعين- أقل عدد له ربع عشر صحيح، فكما دل حديث الزكاة على تطهير ربع العشر للباقي. . كذلك العمل بربع عشر الأربعين يخرج باقيها عن أن يكون غير معمول بها، فخصت بالذكر إشارة لذلك. PageV01P104
وفي الحديث الحسن: "إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به. . هلك، ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به. . نجا" (¬1).
(وفي رواية: "بعثه الله تعالي فقيها عالما"، وفي رواية أبي الدرداء: "وكنت له يوم القيامة شافعا وشهيدا" (¬2)، وفي رواية ابن مسعود: "قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت" (¬3)، وفي رواية ابن عمر: "كتب في زمرة العلماء، وحشر في زمرة الشهداء") (¬4) وبين الثانية -أعني: "فقيها عالما" والتي قبلها نوع تخالف، بناء على ما قدمناه: أن الحشر في زمرتهم لا يستدعي مساواته لهم، وبين هاتين والأخيرة ذلك أيضا، وقد يجمع بأن حفاظ الأربعين مختلفو المراتب؛ فمنهم من يحشر في زمرة الفقهاء والعلماء وهم الأدنون، ومنهم الفقيه العالم وهم الأعلون، ومنهم المتوسط وهو الذي كتب في زمرة العلماء، وحشر في زمرة الشهداء؛ إذ الكتب في زمرة قوم يقتضي أنه منهم، بخلاف الحشر.
وأما رواية: "شافعا وشهيدا"، وأنه يقال له: "ادخل من أي أبواب الجنة شئت". . فيأتيان في الجميع.
(واتفق الحفاظ على أنه) أي: الحديث المذكور (حديث ضعيف وإن كثرت طرقه) ومن جملة من أوضح ضعفها: ابن الجوزي في "علله المتناهية" وبرهن عليه (¬5)، وكذا الحافظ المنذري، فقال: (ليس في جميع طرقه ما يقوى وتقوم به الحجة؛ إذ لا يخلو طريق منها أن يكون فيها مجهول، أو معروف مشهور بالضعف)، ولما أخرجه ابن عبد البر من حديث مالك. . قال: (هذا غير محفوظ ولا معروف عنه، ومن رواه عنه. . فقد أخطأ عليه) وقال في "كتاب العلم": PageV01P105
(إسناده ضعيف) (¬1)، وقال ابن السكن في بعض رواة بعض طرقه: (إنه منكر الحديث، وليس يروى من وجه يثبت) (¬2)، وقال الدارقطني في "علله": (كل طرقه ضعاف) (¬3)، والبيهقي: (أسانيده كلها ضعيفة) (¬4)، وابن عساكر: (فيها كلها مقال (¬5).
ولا يرد على قول المصنف: (الحفاظ) قول الحافظ أبي طاهر السلفي في "أربعينه": (إنه روي من طرق وثقوا بها، وركنوا إليها، وعرفوا صحتها، وعولوا عليها) انتهى؛ لأنه معترض وإن أجاب عنه المنذري بأنه يمكن أن يكون سلك في ذلك مسلك من رأى أن الأحاديث الضعيفة إذا انضم بعضها إلى بعض. . أحدثت قوة، ولا يرد على المصنف ذكر ابن الجوزي له في "الموضوعات" لأنه تساهل منه، فالصواب: أنه ضعيف لا موضوع.