* * * PageV01P392
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" رواه مسلم (¬1).
(عن أبي مالك الحارث) هذا أحد أقوال عشرة في اسمه (ابن عاصم) وفي نسخة: (عامر) وهما قولان، وفيه أقوال أخر غيرهما (الأشعري رضي الله عنه) روى له مسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وكذا البخاري، لكن على الشك (¬2)، وروى عنه جابر بن عبد الله وغيره.
مات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنهم بطعن (¬3)، هو ومعاذ، وأبو عبيدة، وشرحبيل في يوم واحد.
(قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطهور) هو بالفتح للمبالغة كضروب، الأبلغ من ضارب، أو اسم آلة لما يتطهر به كسحور، وبرود، وسنون، لما يتسحر به، أو يتبرد به، أو يستن به، وبالضم الفعل، كالوضوء بالفتح للآلة، وبالضم للفعل، والمراد هنا: المضموم؛ إذ لا دخل لغيره في الشطرية الآتية إلا PageV01P393 # بتكلف، وهو -أعني المضموم كالطهارة، مصدران (¬1) - من (طهر) بفتح هائه وضمها (يطهر) بضمها لا غير، لغة: التنزه عن الدنس الحسي والمعنوي، وشرعا: فعل ما يترتب عليه زوال حدث؛ كالغسلة الأولى في الوضوء والغسل، أو ثواب مجرد؛ كالغسلة الثانية والوضوء والغسل المسنونين.
(شطر) أي: نصف (الإيمان) الكامل بالمعنى الأعم، المتركب من ثلاثة أجزاء: تصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل الأركان، وهو وإن كثرت خصاله وتعددت أحكامه لكنها منحصرة فيما ينبغي التنزه والتطهر عنه، وهو كل منهي عنه، وما ينبغي التلبس به، وهو كل مأمور به، فهو شطران، والطهارة بالمعنى اللغوي الذي قررناه شاملة لجميع الشطر الأول، فاتضح كون الطهور المرادف للطهارة شطر الإيمان، فهو نظير خبر: "الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر" (¬2).
فإن قلت: هذا كله إنما يأتي بالنظر للمضموم كما تقرر، والضم لم يروه أحد، وإنما المروي الفتح كما قاله القرطبي (¬3)، وهو إما للمبالغة أو الآلة، وعليهما فتشكل الشطرية.
قلت: هذا النفي ممنوع؛ كيف والضم هو المختار وقول الأكثرين كما قاله المصنف رحمه الله تعالى؟! (¬4) وغاية ما فيه: أنهم جوزوا الفتح، فإما أن يكون المفتوح مصدرا أيضا كالمضموم، وهو رأي الخليل، وإما ألا يكون بمعناه، وهو الأصح، فيحمل على المضموم ويراد به: استعمال الطهور شطر الإيمان، فعلى كل لا تخالف هنا بين المفتوح والمضموم بالمعنى الذي قررناه.
وأما حمل المصنف الطهور على معناه الشرعي وهو الوضوء. . فنظر فيه من وجهين (¬5): PageV01P394
أحدهما: أنه لا يتضح حينئذ معنى الشطرية إلا بادعاء أنه ينتهي تضعيف الأجر فيه إلى نصف الإيمان (¬1)، وهذا وإن قيل به إلا أنه يحتاج إلى دليل.
ثانيهما: أن الطهور لا ينحصر في الوضوء، بل يعم الغسل والتيمم والطهارة من الخبث، وليس واحد من هذين النظرين في محله؛ كيف ورواية ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه": "إسباغ الوضوء شطر الإيمان" (¬2)، ورواية الترمذي: "والوضوء شطر الإيمان" (¬3)؟ وحينئذ فيقال: يحتمل أن معناه: أنه تمام الشطر، لا أنه كل الشطر؛ لما مر.