مطلب فضل التفكر
وورد في أحاديث ما يبين فضل التفكر والمراد به ، فمن ذلك حديث أبي الشيخ في العظمة " تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة " وحديثه أيضا " تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله ، فإن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وفوق ذلك " وحديثهأيضا " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا " وحديثه أيضا " تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق ، فإنكم لا تقدرون قدره " وحديثه كالطبراني وابن عدي والبيهقي " تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله " وحديثه كأبي نعيم " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله "وحديث الديلمي " عودوا قلوبكم الترقب وأكثروا التفكر والاعتبار " فتأمل هذه الأحاديث تعلم أن المراد التفكر في جميع ما ذكره السائل ، وأعم منه كما أفاد حديث " تفكروا في كل شيء " الخ وحديث " تفكروا في خلق الله " ولا ينافيهما حديث " تفكروا في آلاء الله " أي نعمه لأن التفكر في النعم يؤدي على مزيد الخضوع للحق والتواضع للخلق ولارجوع إلى الله بالذلة والانكسار وإدامة التوسل إليه آناء الليل PageV01P165 <75>وأطراف النهار أن ال يحرمه مزيد فضله ونعمه ولا يسلبه واسع جوده وكرمه ، فإن الإعراض عن تفكر النعم عاقبته الوخيمة وغايته المشئومة سلب النعم وإذاقة النقم والطرد عن أبواب الكريم كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " ما بطر أحد النعمة فعادت إليه " وإنما أمرنا بالتفكر في كل المخلوقات ومنعنا عن التفكر في ذات الحق لأن التفكر في غيرها تزيد به المعارف وتتوالى بسببه المواهب والعوارف وينصقل به القلب عن السوى ويتخلى عن كل هوى ، ويرجع إلى الله في سائر إراداته وحركاته وسكناته ، لأن من أحدق بعين بصيرته واستغرق جهده وفكرته في العالم علويه وسفلييه انكشف له الغطاء وزال عنه العماء ، وقد بين تعالى أنه لا يصلح للتفكر في خلق السماوات والأرض إلا أولو العقل الكامل واللب الفاضل كما يدل عليه آيتا البقرة وآل عمران {إن في خلق السماوات والأرض} الآيو ، وذكر في الأولى المختتمة بي {يعقلون} من الآيات الأرضية والسماوية أكثر مما ذكر في الثانية المختتمة بي {أولي الألباب} مع أن اللب أشرف من العقل ؛ لأن الأولى تناسب مقام السالكين لاحتياجهم للنظر في الايات الكثيرة ليحصل لهم بذلك مع الإدمان وتغير الدلالات والآيات مع كثرتها وعجائبها ملكة المراقبة ثم الشهود العلمي حتى لا تقدر عليهم الأغيار ولا يتشككون فيما منحوه بسبب ذلك إلى أن يرتقوا إلى مقام الأخيار ، وأما الثانية فغنها إنما تناسب مقام العارفين لأنهم إنما ارتقوا عن شهود الأسباب والوسائط إلى شهود موجدها وباريها فليس لهم كبير تعلق بها ، فلذا اختصر الأدلة في حقهم لأنهم مشغولون بذلك بالشهود الأقدس والجمع الأكمل عن النظر في البراهين باستغناءهم عنها بالوصول إلى عين اليقين فناسب أن يشار لهم بذكر ادلائل مجملة لا مفصلة إشارة إلى أنهم إنما وصلوا على الله من طريقها ومن وصل من طريق لا ينبغي له أن ينساه ، وإن استغنى عنه ، ومن ثم رؤي مع الجنيد سبحة فقيل له تحتاج إليها يا إمام ؟ فقال : طريق وصلنا على الله بسببها لا نتركها . PageV01P166