مطلب الملائكة عشرة أجزاء
وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الملائكة عشرة أجزاء : تسعة أجزاء الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون وقد وكلوا بخزانة كل شيء وما من السماء موضع إلا فيه ملك ساجد أو ملك راكع وإن الحرم بحيال العرش ؛ وإن البيت المعمور حيال الكعبة لو سقط لسقط عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه " . PageV01P127
مطلب أول من خلق الله أربعة من الملائكة جبريل الخ
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي والخطيب وابن عساكر أنه صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته ما منهم ملك تقطر من عينه دمعه إلا وقعت ملكا قائما يسبح ، وملائكة سجود منذ خلق الله السماوات والأرض لم يرفعوا رءوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة ، وملائكة ركوعا لم يرفعوا رءوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة وصفوفا لم ينصرفوا عن مصافهم ولا ينصرفون عنها إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم عز وجل فينظرون إليه وقالوا : سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك " . وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال : هؤلاء الأربعة أملاك جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت أول من خلقهم الله تعالى من الخلق وآخر من يميتهم وأول من يحيهم هؤلاء المدبرات أمرا والمقسمات أمرا . فهذه الأحاديث والآثار كلها ظاهرة أو صريحة في أن الملائكة لم يخلقوا دفعة بل دفعات . وهنا فوائد لا بأس بالإشارة لشيء منها PageV01P128 <61>فمنها : أن في منهاج الحليمي وشعب البيهقي وابتهاج القونوي حكاية قول عن الملائكة من الجن وأنهم خيارهم لقوله تعالى {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} أي قالوا الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقوله تعالى {خلق الإنسان من صلصال} الآية ، فلم يذكر قسما ثالثا ، ويرد بأن الملائكة قد يسمون جنة لاستتارهم ومما يصرح بتغايرهم قوله تعالى {إلا إبليس كان من الجن} ولم يذكر في آية الرحمن لأنها لبيان ما ركب من خلق متقدم ، والملائكة ليسوا كذلك لأنهم مخترعون قال الله تعالى لهم كونوا فكانوا كما قال للأصل الذي خلق منه الجن والأصل الذي خلق منه الإنس وهو التراب والماء والنار والهواء كن فكان فالملائكة في الاختراع كأصول الإنس والجن لا كأعيانهما ، فلذا لم يذكروا معهم . قال البيهقي : وأبين من هذا كله في أن الملائكة صنف غير صنف الجن حديث مسلم : " خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم " . قال : ففي فصله بينهما في الذكر دليل على أنه أراد نورا آخر غير نور النار ، واستدل الثلاثة المذكورن على تباينهما بقوله تعالى {ويوم نحشرهم ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانو يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن} .
ومنها : قال : هؤلاء الثلاثة أيضا الملائكة يسمون الروحانيين بضم الراء وفتحها ، فالضم لأنهم أرواح ليس معها ماء ولا نار ولا تراب ، ومن قال هذا قال : الروح جوهر ، وقد يجوز أن يؤلف الله أرواحا فيجسمها ويخلق منها خلقا ناطقا عاقلا فتكون الروح مخترعا والتجسم وضم النطق والعقل إليه حادثا من بعد ، فيجوز أن تكون أجسادهم على ما هي عليه مخترعة كما اخترع عيسى وناقة صالح . وأما الفتح بمعنى أنهم ليسوا محصورين في الأبنية والظل وإنما هم في فسحة وبساطة .