مطلب ابن عربي هل هو على طريقة الهدى الخ ؟
وسئل تفع الله به بما لفظه : ما تقولون في ابن عربي هل هو على طريقة الهدى أم نهج الردى ؟ وهل صح تكفيره أو لا ؟ وهل قال أحد أنه على الصواب أو لا ؟ أوضحوا الجواب وأوضحوا لنا حاله فإنه تكاثرت الأقوال فيه ولم ندر الصحيح من السقيم ؟ .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله ورضي عنه إمام جمع بين العلم والعمل كما اتفق على ذلك من يعتد به ، كيف وقد ذكر بعض المنكرين في ترجمته إنه كان وصل لمرتبة الاجتهاد وحينئذ فإسلامه متيقن وكذلك علمه وعمله وزهادته وورعه ووصوله في الاجتهاد في العبادة إلى ما لم يضل إليه أكابر أهل الطريق . وإذا تقرر أن هذا كله معلوم من حاله فالأصل بفاؤه عليه إلى أن مات فلا يجوز الإقدام على تنقيصه بمجرد التهور والتخيلات التي لا مستند لها يعتد به بل يستصحب ما علم من إسلامه ومعارفه وعلومه هذا ما يتعلق بذلك ، أما الكتب المنسوبة له فالحق أنه واقع فيها ما ينكر ظاهره والمحققون من مشايخنا ومن قبلهم على تأويل تلك المشكلات بأنها جارية على اصطلاح القوم وليس المراد منها ظواهرها . قال بعض المحققين من مشايخ مشايخنا : مع اعتقادي فيه المعرفة الكبرى والنزاهة العظمى لو رأيته للمته وقلت له : قد أودعت في كتبك أشياء كانت سببا لضلال كثيرين من الجهال بطريقتك واصطلاحك ، فإن أكثر الناس ليس لهم من الكلام إلا ظاهره وظاهر تلك الكلمات كفر صريح ارتبك فيه أقوام اغتروا بكلامك ولم يدروا أنه جار على اصطلاحك فليتك أخليت تلك الكتب عن الكلمات المشكلة انتهى حاصل ما قاله ذلك المحقق وهو كلام حسن ، وإن فرض أن للشيخ عذرا في ذكرها غيرة على طريقتهم أن ينتحلها الكاذبون لأن هذا لو فرض وقوعه كان أخف مما ترتب على ذكر تلك الكلمات من زلل كثير بسببها ، ولقد رأيت ممن ضل بها من يصرخ بمكفرات أجمع المسلمون على أنها مكفرات ومع ذلك يعتقدها وينسبها لابن عربي ، ولقد كذب في ذلك وافترى فإن ابن عربي بريء من ذلك باعتبار ما علم واستقرئ من حاله . PageV01P780
<336>
والحاصل أنه يتعين على كل من أراد السلامة لدينه ألا ينظر في تلك المشكلات ولا يعول عليها سواء قلنا إن لها باطنا صحيحا أم لا ، وأن لا يعتقد في ابن عربي خلاف ما علم منه في حياته من الزهد والعبادة الخارقين للعادة ، وقد ظهر له من الكرامات ما يؤيد ذلك . منها : ما حكاه صاحب القاموس أنه لما فرغ من تأليف كتابه (الفتوحات المكية) جعله وهو ورق مفرق على ظهر الكعبة فمكث سنة لم تطير الريح منه ورقة ولا وصلت إليه قطرة مطر مع كثرة أمطارها ورياحها فسلامة تلك الأوراق من المطر والريح مع مكثها سنة على السطح من الكرامات الباهرة الدالة على إخلاصه في تأليفه هذا الكتاب وأنه بريء مما نسب إليه فيه وفي غيره ولا يقدح فيه ما صدر عنه مما لا يقبل التأويل ولا يقتضي التضليل ، كقوله بإسلام فرعون لأن هذا لا يقتضي كفرا وإنما غايته أنه خطأ في الاجتهاد وهو غير قادح في صاحبه إذ كل من العلماء مأخوذ من قوله ومردود عليه إلا المعصومين . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .
وقد تم الكتاب بعون الملك الوهاب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .