مطلب هل ملك الموت يقبض أرواح الحيوانات كلها .
وسئل رضي الله عنه : هل ملك الموت يقبض أرواح الحيوانات كلها ؟ أو ما يقبض إلا أرواح بني آدم فقط ، وأين مستقر الروح بعد قبضها ؟ .
فأجاب أعاد الله علينا من بركات علومه : الذي دلت عليه الأحاديث أن ملك الموت يقبض جميع أنواع الحيوانات من بني آدم وغيرهم من ذلك قوله مخاطبا لنبينا صلى الله عليه وسلم " والله يا محمد لو أني أردت أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها " قال القرطبي : وفي هذا الخبر ما يدل على أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح وأن تصرفه كله بأمر الله عز وجل وبخلقه واختراعه ، ومن ذلك ما في خبر الإسراء عن بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن نفسه " فقلت يا ملك الموت كيف تقدر على قبض أرواح جميع من في الأرض برها وبحرها " الحديث ، وذكر أبو نعيم عن ثابت البناني قال " الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ليس منها ساعة تأتي على ذي روح إلا وملك الموت قائم عليها فإن أمر بقبضها قبضها وغلا ذهب " . قال القرطبي أيضا : وهذا عام في كل ذي روح ومن ثم لما سئل مالك رضي الله عنه عن البراغيث أن ملك الموت هل يقبض أرواحها أطرق مليا ثم قال ألها نفس ؟ قيل نعم : قال ملك الموت يقبض أرواحها {الله يتوفى الأنفس حين موتها} وأشار مالك رضي الله عنه بذكر الآية إلى أن المراد بقوله تعالى {الله يتوفى الأنفس} أنه تعالى : يأمر ملك الموت يتوفها كما يصرح به قوله تعالى {توفته رسلنا} . ولا ينافي ذلك قوله تعالى {خلق الموت والحياة} وقوله{يحيي ويميت} لأن ملك موت يقبض الأرواح وأعوانه يعالجون والله تعالى يزهق الروح وبهذا تجتمع الآيات والأحاديث ، وإنما أضيف التوفي لملك الموت لأنه يتولاه بالوسائط والمباشرة فأضيف إليه كما أضيف الخلق للملك في خبر مسلم عن حذيفة سمعت رسوت الله صلى الله عليه وسلم " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملك غصورها فخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها " الحديث . وأما قول بن عطية : روى في الحديث أن البهائم كلها يتوفى الله أرواحها دون ملك الموت كأنه يعدم حياتها . قال : وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه شرف بتصرف ملك الموت وملائكته في قبض أرواحهم فخلق الله ملك الموت وخلق على يده قبض الأرواح وإسلالها من الأجسام وإخراجها منها ، وخلق حفدة يكونون معه يعملون عمله بأمره انتهى . فيجاب عمه بأن الالحديث الذي ذكره يتوقف الاستدلال به على ثبوته وعلى تسليمه فيمكن الحمع بينه وبين ما مر من الأحاديث بأن قوله في هذا الحديث دون ملك الموت أنه لا يعاني في قبض أرواح غير بني آدم بل غير المؤمنين منهم من الرعاية ما يعانيه في قبض أراح المؤمنين ، أو أن المراد بقوله دون ملك الموت نفي التوفي عنه حقيقة لما تقرر أن الموجد حقيقة هو الله تعالى وأن ملك الموت واسطة فقط ، فحيث أثبت التوفي إليه في حديث أو آية كان المراد إثبات تصرفه المأمور به ، وحيث نغى عنه في حديث أو آية كان المراد سلب الحقيقة لأنها لله وحده . وذكر الغزالي PageV01P008 <6>في الإحياء حديث " أن ملك الموت والحياة تناظرا فقال ملك الموت أنا أميت الأحياء وقال ملك الحياة أنا أحيي الموتى ، فأوحى الله إليهما كونا في عملكما وما سخرتما له من الصنع وأنا المميت والمحيي لا يميت ولا يحيي سواى" .