[الصالح]
وقوله تعالى: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} يعني من أهل الجنة.
أخبرنا يوسف بن محمد بن إبراهيم، ومحمد بن أبي بكر بن مشرف بقراءتي عليهما، قال الأول: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم التنوخي، أخبرنا بركات بن إبراهيم المقدسي، أخبرنا عبد الكريم بن حمزة، أخبرنا الحافظ أحمد بن علي الخطيب.
ح: وقال شيخنا الثاني: أنبأنا علي بن أبي عبد الله البغدادي، عن الفضل بن سهل، عن الخطيب، أخبرنا القاسم بن جعفر الهاشمي، أخبرنا محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا سليمان بن الأشعث الحافظ، حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن مختار بن فلفل، يذكر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خير البرية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذاك إبراهيم عليه السلام)) .
أخرجه مسلم، والترمذي أيضا من هذا الوجه، وزاد: ((ذاك إبراهيم خليل الله)) .
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((أنا سيد ولد آدم، ولا فخر)) .
وطريق الجمع بينه وبين هذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من سائر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ ثم لما أعلمه الله بذلك نبه الناس.
والثاني: وهو الأقوى: أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك على وجه التواضع والاحترام لإبراهيم صلى الله عليه وسلم، لخلته، وأبوته، ولبيان ما يجب له من التوقير والاحترام. ولذلك لما قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم)) أتبعه بقوله: ((ولا فخر)) ليبين صلى الله عليه وسلم أنه لم يقل ذلك على وجه الافتخار والتطاول على من تقدمه، بل قاله بيانا لما أمر ببيانه، والله سبحانه أعلم.
[صاحب الملة الحنيفية]
وقوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} الآية.
ثم في هذه إعلام بتعظيم منزلة نبينا صلى الله عليه وسلم، وإجلال محله، والإيذان بأن من أشرف ما أوتي خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام اتباع نبينا صلى الله عليه وسلم أباه، واقتداءه به. فهذا وجه تعلق المعطوف بالمعطوف عليه.
وذكر بعض المفسرين أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية باتباع إبراهيم عليه السلام؛ أريد به اتباعه إياه في مواقف الحج، وذكر في ذلك حديثا في إسناده ضعف: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((جاء جبريل عليه السلام إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فراح به إلى منى)) . فذكر كيفية مناسك الحج، وقال في آخره: ((فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم: {أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} )) .
وهذا الحديث غير ثابت، لما بينا من ضعف إسناده.
والأقرب حمل الأمر هنا على العموم، في اتباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام في كل شيء، إلا ما نسخه الله من ذلك، لأنه تقدم أن هذه الآيات بين الله بها أن إبراهيم كان حنيفا مسلما ولم يكن مشركا؛ ردا على المشركين في دعواهم أنهم على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهم مشركون، وهو –صلوات الله عليه- لم يكن مشركا، فناسب ذلك الأمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم في دين الإسلام والتوحيد وأعماله. وتندرج أفعال الحج تحت ذلك. وحمل اللفظ على العموم مهما أمكن أولى. والله أعلم.