بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى:
{إن إبراهيم كان أمة قانتا
لله حنيفا ولم يك من المشركين. شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم. وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين.} .
[النبي الأمة]
قال الراغب: الأمة: كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان [واحد] . سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا، أو اختيارا.
ثم قال بعد ذلك: وقوله: {إن إبراهيم كان أمة} أي: قائما مقام جماعة في عبادة الله، نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة. وكما روي أنه ((يحشر زيد بن عمرو أمة وحده)) .
وذكر صاحب الكشاف في معنى قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة} وجهين:
أحدهما نحو الذي أشار إليه الراغب، أي: كان وحده أمة من الأمم، لكماله في جميع صفات الخير، كقول بعضهم:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
قال مجاهد: كان مؤمنا وحده، والناس كلهم كفار.
والوجه الثاني: أن يكون أمة بمعنى مأموم، أي: يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير، أبو بمعنى مؤتم به، كالرحلة وما أشبهها، مما جاء من ((فعلة)) بمعنى مفعول، فيكون مثل قوله تعالى: {قال إني جاعلك للناس إماما} .
وقال ابن مسعود عند ذكر معاذ – رضي الله عنهما: ((إن معاذا كان أمة قانتا لله)) . ثم قال: ((الأمة)) معلم الخير.
[القانت]
والقانت: المطيع لله ورسوله، وأصل القنوت: لزوم الطاعة والخضوع. وفسر بكل منهما قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} .
وقيل: القنوت: القيام، وبه فسر قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)) . لكنه ليس مطلق القيام، بل القيام مع الخضوع. فيكون هنا معنى القانت: القائم بما أمره الله به.
[الحنيف]
والحنيف: المائل إلى ملة الإسلام، غير الزائل عنه.
والحنف: هو الميل عن الضلال إلى الاستقامة.
.. ..: تحنف الرجل: إذا تحرى طريق الاستقامة.
وكانت العرب تسمي كل من اختتن أو حج: حنيفا، تنبيها على أنه على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ومنه ما جاء في بعض روايات بدء الوحي: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء، في كل سنة شهرا)) .
وكان ذلك ما تحنف به قريش في الجاهلية. والتحنف: التبرر.
قال السهيلي: لأنه من الحنيفية، دين إبراهيم عليه السلام.
ثم أكد سبحانه وتعالى ذلك بنفي الشرك عنه، ردا على قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، وهم مشركون، وهو عليه الصلاة والسلام، لم يكن مشركا، بل كان حنيفا على دين الإسلام.
أخبرنا شيخنا أبو الفضل سليمان بن حمزة، وعيسى بن عبد الرحمن المقدسيان، بقراءتي على كل منهما، قالا: أخبرنا جعفر بن علي المقرئ، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أحمد بن عبد الغفار بن أشتة، حدثنا محمد بن علي الحافظ، أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الفقيه، حدثنا القاسم بن زكريا، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، وأحمد بن سفيان، وفياض بن
زهير، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر.
ح: وأخبرنا أعلى من هذا بدرجة: البرهاني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الطبري بقراءتي عليه بمنى شرفها الله تعالى، أخبرنا علي بن هبة الله بن سلامة الفقيه، أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد الإبري، أخبرنا الحسين بن أحمد بن طلحة، أخبرنا علي بن محمد بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس –رضي الله عنهما-: