بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر يا كريم
الحمد لله مظهر الحق ومبديه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وذويه.
وبعد.. ..
فهذا تعليق سميته قيد الشريد من أخبار يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ابن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أمير المؤمنين أبو خالد الأموي ولد سنة خمس أو ست أو سبع وعشرين، وبويع له بالخلافة في حياة أبيه، ثم أكد ذلك بعد موت أبيه في نصف رجب سنة ستين، فاستمر متوليا إلى أن توفي في الرابع عشر من ربيع الأول سنة أربع وستين. وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيق بن دلجة بن فناقة بن عدي بن زهير PageV01P023 ابن حارثة الكلبي.
روى عن أبيه معاوية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين))، وحدثنا آخر في الوضوء عنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان.
وقد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة وهي العليا وقال: له أحاديث.
وكان كثير اللحم، عظيم الجسم جميلا صخم الهامة، محدد الأصابع غليظها مجدرا. PageV01P024
وكان أبوه قد طلق أمه وهي حامل به، فرأت في المنام أنه خرج منها قمر من قبلها، فقصت رؤياها على أمها، فقال: ((إن صدقت رؤياك ليكون من يبايع له بالخلافة)).
وجلست أمه يوما تمشطه وهو صبي صغير، وأبوه معاوية مع زوجته الحظية عنده في المنظرة وهي فاختة بنت قرظة، فلما فرغت من تمشيطه نظرت أمه إليه فأعجبها، فقبلت بين عينيه، فقال معاوية عند ذلك:
إذا مات لم تفلح مزينة بعده ... فنوطى عليه يا مزين التمايما
وانطلق يزيد يمشي وفاختة تتبعه بصرها، ثم قالت: لعن الله سواد ساقي أمك، فقال معاوية: أما والله إنه لخير من ابنك عبد الله. وهو ولده منها وكان أحمق. فقالت فاختة: لا والله ولكنك تؤثر هذا عليه، PageV01P025 فقال: سوف أبين لك ذلك حتى تعرفيه قبل أن تقومي من مجلسك هذا، ثم دعا بابنها عبد الله فقال له: ((قد بدا لي أن أعطيك كلما تسألني في مجلسي هذا))، فقال: ((اشتر لي كلبا قاربا وحمارا فارها))، فقال: يا بني أنت حمار ونشتري لك حمارا. قم فاخرج، ثم قال لأمه: كيف رأيت؟ ثم استدعى بيزيد فقال: إني قد بدا لي أن أعطيك كلما تسألني في مجلسي هذا، فخر يزيد ساجدا ثم قال حين رفع رأسه: الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة، وأراه في هذا الرأي، حاجتي أن تعقد لي العهد من بعدك، وتوليني العام صايفة المسلمين، وتأذن لي في الحج إذا رجعت، وتوليني الموسم، وتزيد أهل الشام عشرة لكل رجل في عطائه، وتجعل ذلك بشفاعتي، وتفرض لأيتام بني جمح وأيتام بني سهم وأيتام بني عدي، فقال ولأيتام بني عدي؟ فقال لأنهم حالفوا وانتقلوا إلى داري فقال معاوية: ((قد فعلت ذلك كله، وقبل وجهه ثم قال لفاختة بنت قرظة: كيف رأيت؟ PageV01P026
(فقالت): يا أمير المؤمنين أوصه بي، فأنت أعلم به مني ففعل.
وفي رواية: أن يزيد لما قال له أبوه: سلني حاجتك، قال له يزيد: أعتنقني من النار، أعتق الله رقبتك منها، قال: وكيف؟ قال: لأني وجدت في الآثار أنه ((من تقلد أمر الأمة ثلاثة أيام حرمه الله على النار))، فاعهد إلي بالأمر من بعدك، ففعل.
وقال العيني: رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاما فقال له: اعلم أن الله أقدر عليك منك عليه، سوه لك، أتضرب من لا يستطيع أن يمتنع عليك، والله لقد منعتني القدرة من الانتقام من ذوي الأحق، وإن أحسن لمن عفا لمن قدر.