[المخالطات الطاهرة]
وقد اختلفت إطلاقات علمائنا في المخالطات الطاهرة.
فقيدها المتأخرون -كالإمام فخر الدين الزيلعي في شرح الكنز وغيره- بقيود تقتضي التوفيق بين إطلاقات المتقدمين.
قال قاضي القضاة بدر الدين العيني في مختصر الشرح المذكور: وذكر الإسبيجابي أن الغلبة تعتبر أولا من حيث اللون، ثم من حيث الطعم، ثم من حيث الأجزاء.
ويقال: الاعتبار لتغير الأوصاف الثلاثة أو أكثرها
ويقال: الاعتبار لرقة الماء وثخانته.
ويقال: الاعتبار للغلبة بالأجزاء الذاتية.
فنقول: الضابط هنا والموفق لهذه الأقوال: أن الماء إذا خالطه شيء لا يخلو: إما أن يكون جامدا، أو مائعا.
فإن كان جامدا: فما دام يجري على الأعضاء فالماء غالب.
وإن كان مائعا، فلا يخلو: إما أن يكون مخالفا للماء في الأوصاف كلها، أو في بعضها، أو لا يكون. PageV01P020
فإن لم يكن، كالماء المستعمل، على القول الصحيح أنه طاهر، يعتبر بالأجزاء، حتى لو كان الماء رطلين والمستعمل رطلا فحكمه حكم المطلق. وبالعكس: كالمقيد.
وإن كان مخالفا فيها: فإن غير الثلاث أو أكثرها لا يجوز الوضوء به، وإلا كان خالفه في وصف واحد أو وصفين: تعتبر الغلبة من ذلك الوجه، كاللبن مثلا يخالفه في اللون والطعم, فإن كان لون اللبن أو طعمه هو الغالب لم يجز الوضوء به، وإلا جاز. وكماء البطيخ، يخالفه في الطعم، فتعتبر الغلبة فيه بالطعم.
فعلم من هذا أن مراد من اعتبر الرقة والثخانة ما إذا كان المخالط له جامدا. ومراد من اعتبر الغلبة بالأجزاء ما إذا كان المخالط له لا يخالفه في شيء من الأوصاف، فافهم، فإنه موضع أشكل على كثير من الناس. انتهى كلام العيني.
فقد صرح أن المخالط المائع الطاهر الموافق للطهور في أوصافه الثلاثة، ومثله بالماء المستعمل على الصحيح، إذا غلبت أجزاؤه على أجزاء الطهور تغلبه الطهورية، وإذا كانت أجزاء الطهور أغلب وأكثر فإن الكل طهور.
فالعبرة في ذلك لغلبة الأجزاء.
فرواية أن العبرة في المخالط الطاهر بغلبة الأجزاء وقعت مطلقة، فقيدها المحققون بالمائع الموافق في الأوصاف. فافهم، ولا تقف مع الإطلاقات من غير اعتبار الوجه. PageV01P021