قوله تعالى: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا) .
وإنما خص المرسلين بالذكر؟ لأن الكلام في قصة موسى - وكان من المرسلين - وإلا فسائر الأنبياء كذلك، وإن لم يكن بعضهم رسلا.
(7) قوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء. .) .
قاله هنا بلفظ " أذخل " وفي القصص بلفظ " أسلك " لأن الإدخال أبلغ من السلوك، لأن ماضيه أكثر حروفا من ماضي السلوك، فناسب " أدخل " كثرة الآيات، في قوله " تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات " أي معها مرسلا إلى فرعون، وناسب أسلك قلتها، وهي سلوك اليد، وضم الجناح، المعبر عنهما بقوله (فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه) .
(8) قوله تعالى: (في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين) .
قاله هنا بلفظ " وقومه " وفي القصص بلفظ " وملائه " لأن الملأ أشراف القوم، ولم يوصفوا ثم بما
وصف به القوم هنا من قوله " فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها. . " الآية فناسب ذكر القوم هنا، وذكر الملأ ثم.
(9) قوله تعالى: (وأوتينا من كل شيء. .)
النون نون الجمع، عنى " سليمان " نفسه وأباه، أو نون العظمة، مراعاة لسياسة الملك، لأنه كان ملكا مع كونه نبيا.*
فإن قلت: كيف سوى بينه في قوله " من كل شيء " وبين بلقيس في قول الهدهد: " وأوتيت من كل شي "؟!
قلت: الفرق بينهما أنها أوتيت من كل شىء من أسباب الدنيا فقط، لعطف ذلك على " تملكهم " وسليمان أوتي من كل شيء من أسباب الدين والدنيا، لعطف ذلك على المعجزة وهي " منطق الطير ".
(10) قوله تعالى: (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين) . توعد " سليمان " الهدهد بذلك، مع أنه غير مكلف، بيانا لكونه خص بذلك، كما خص بتعلم منطقه.
(11) قوله تعالى: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم
تول عنهم فانظر ماذا يرجعون) .
إن قلت: إذا تولى عنهم كيف يعلم جوابهم؟!
قلت: معناه ثم تول عنهم يسيرا حيث لا يرونك، فانظر ماذا يرجعون؟
(12) قوله تعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) .
قدم " سليمان " اسمه على اسم الله تعالى، مع أن المناسب عكسه، لأنه عرف أن " بلقيس " تعرف اسمه، دون اسم الله تعالى، فخاف أن تستخف باسم الله تعالى، أول ما يقع نظرها عليه، أوكان اسمه على عنوان الكتاب، واسم الله في باطنه.
(13) قوله تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا اتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. .) .
القائل كاتب سليمان، واسمه " آصف ".
فإن قلت: كيف قدر مع أنه غير نبي، على ما لم يقدر عليه سليمان مع أنه نبي، من إحضار عرش بلقيس في طرفة عين؟!
قلت: يجوز أن يخص غير النبي بكرامة، لا يشاركه
فيها النبي، كما خصت " مريم " بأنها كانت ترزق من فاكهة الجنة، و " زكريا " لم يرزق منها، ولم يلزم من ذلك فضلها على " زكريا "، وقد نقل أن " سليمان " عليه السلام، كان إذا أراد الخروج إلى الغزاة، قال لفقراء المهاجرين والأنصار، ادعوا لنا بالنصرة، فإن الله ينصرنا بدعائكم، ولم يكونوا أفضل منه، مع أن كرامة التبع من جملة كرامة المتبوع.
ويحكى أن العلم الذي كان عند " آصف " هو اسم الله الأعظم، فدعا به فأجيب به في الحال.
وهو عند أكثر العلماء كما قال البندنيجي: اسم الله، وقيل: يا حي، يا قيوم.