(9) قوله تعالى: (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) .
قاله استهزاء وتهكما بمن سفهوه، وإلا ففاعله هو نفسه.
أو أنه لما كان الحامل له على الفعل، تعظيمهم للأصنام، وكان كبيرها أبعث له على الفعل، لمزيد تعظيمهم له، أسند الفعل إليه لأنه السبب فيه.
(10) قوله تعالى: (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على
إبراهيم) .
إن قلت: كيف خاطب النار مع أنها لا تعقل؟!
قلت: خطاب التحويل والتكوين، لا يختص بمن يعقل كما مر، قال تعالى: (يا جبال أوبي معه والطير) وقال: " فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها " وقال: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ".
(11) قوله تعالى: (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) .
قاله هنا: بلفظ " الأخسرين " وفي الصافات بلفظ " الأسفلين ". لأن ما هنا تقدمه أن إبراهيم كادهم، وأنهم كادوه، وأنه غلبهم في الكيد، فخسرت تجارتهم حيث كسر أصنامهم، ولم يبلغوا من إحراقه مرادهم، فناسب ذكر " الأخسر ين ".
وما في الصافات: تقدمه " قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم " فأججوا نارا عظيمة، وبنوا بنيانا عظيما، ورفعوا إبراهيم إليه ورموه منه إلى أسفل، فرفعه الله إليه،
وجعلهم في الدنيا من الأسفلين، وردهم في العقبى أسفل سافلين، فناسب ذكر الأسفلين.
(12) قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) ختم القصة هنا بقوله " رحمة من عندنا " وختمها في " ص " بقوله " رحمة منا " لأن أيوب بالغ هنا في التضرع بقوله " وأنت أرحم الراحمين " فبالغ تعالى في الإجابة، فناسب ذكر " من عندنا " لأن عندنا يدل على أنه تعالى، تولى ذلك بنفسه، ولا مبالغة في " ص " فناسب ذكر " منا " لعدم دلالته على ما دل عليه " عندنا ".
(13) قوله تعالى: (فنفخنا فيها. .) . أي في جيب درعها، بحذف مضافين، ولهذا ذكر الضمير في " التحريم " فقال: " فنفخنا فيه " (1) .
(14) قوله تعالى: (وأنا ر بكم فاعبدون. وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون) .
قال ذلك هنا، وقال في المؤمنين (وأنا ربكم فاتقون. فتقطعوا)
لأن الخطاب هنا للكفار، فأمرهم بالعبادة التي هي التوحيد، ثم قال " وتقطعوا " بالواو " لا بالفاء، لأن مدخولها ليس مرتبا على ما قبلها، بل هو واقع قبله، ومن قال: الخطاب مع المؤمنين، فمعناه: دوموا على العبادة.
والخطاب ثم للنبي وأمته، بدليل قوله قبل (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات. . الآية. والأنبياء وأمتهم مأمورون بالتقوى. . ثم قال " فتقطعوا أمرهم " بالفاء، أي ظهر منهم التقطع بعد هذا القول، والمراد أمتهم.
(15) قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم
لا يرجعون) . أي ممتنع عليهم الرجوع.
فإن قلت: كيف قال ذلك، مع أنه لا بد من رجوعهم إلى الله؟!
قلت: معناه لا يرجعون عن الكفر إلى الإيمان، أو لا يرجعون بعد إهلاكهم إلى الدنيا.
وقيل: معنى " حرام " واجب، ف " لا " حينئذ زائدة، أي واجب رجوعهم.
(16) قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) أي عن جهنم.
فإن قلت: كيف يكونون مبعدين عنها، وقد قال تعالى " وإن منكم إلا واردها " وورودها يقتضي القرب منها؟!
قلت: معناه: مبعدون عن ألمها، وعناها، مع ورودهم لها.
أو معناه: مبعدون عنها بعد ورودها، بالإنجاء المذكور بعد الورود.