فإن قلت: " ذو القرنين " كان نبيا، أو تقيا حكيما، فكيف خفي عليه هذا حتى وقع في ظن ما يستحيل وقوعه؟
قلت: الأنبياء والحكماء لا يبعد أن يقع منهم مثل ذلك، ألا ترى إلى ظن موسى فيما أنكره على الخضر، وأيضا فالله قادر على تصغير جرم الشمس، وتوسيع العين وكرة الأرض، بحيث تسع عين الماء
(1) عين الشمس، فلم لا يجوز ذلك، ولم يعلم به لقصور عقولنا عن الإحاطة بذلك!!
(22) قوله تعالى: (فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) .
أي قدرا لحقارتهم، وليس المراد فلا ننصب لهم ميزانا، لأن الميزان إنما ينصب ليوزن به الحسنات، في مقابلته السيئات، والكافر لا حسنة له، وأما قوله تعالى (وأما من خفت موازينه فأمه هاوية) فهو فيمن غلبت سيئاته على حسناته من المؤمنين، فإنه يدخل النار لكن لا يخلد فيها.
" تمت سورة الكهف "
سورة مريم
(1) قوله تعالى: (يرثني ويرث من آل يعقوب. .) . أي يرث العلم والنبوة لا المال، لخبر " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة "..
وورث يتعدى بنفسه وب " من " وقد جمع بينهما في الآية، وقيل: " من " للتبعيض لا للتعدية، لأن آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء، وعلى الأول المراد من " آل يعقوب " الأنبياء، لأنهم الذين لا يورثون إلا العلم والنبوة.
(2) قوله تعالى: (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا.) الأية.
إن قلت: كيف استبعد زكريا ذلك وأنكره؟
قلت: لم يفعله إنكارا، بل ليجاب بما أجيب به عن
طلبه الولد، وهو قوله تعالى: " يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحى " فيزداد الموقنون إيقانا، ويرتدع المبطلون. أو قاله: تعجب فرح وسرور، لا تعجب إنكار واستبعاد، ويعقوب المذكور هو أبو " يوسف " وقيل: هو أخو زكريا، وقيل: هو أخو عمران أبي مريم عليه السلام.
(3) قوله تعالى: (قال رب اجعل لي آية. .) أي علامة.
فإن قلت: كيف طلب العلامة على وجود الولد، بعدما بشره الله تعالى؟
قلت: ليبادر إلى الشكر، ويتعجل السرور، إذ الحمل لا يظهر في أول العلوق، فأراد معرفته أول وجوده، فجعل الله آية وجوده عجزه عن كلام الناس.
(4) قوله تعالى: (وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا) .
قال ذلك هنا، وقال بعده " ولم يجعلني جبارا شقيا " لأن الأول في حق " يحى " والثاني في حق "
عيسى " عليهما السلام.
(5) قوله تعالى: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)
قاله هنا: في قصة " يحى " منكرا، وقال بعد في قصة " عيسى ": (والسلام علي يوم ولدت) ومعرفا، لأن الأول من الله، والقليل منه كثير، والثاني من عيسى و " أل " للاستغراق، أو للعهد كما في قوله تعالى: (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا. فعصى فرعون الرسول) أي ذلك السلام الموجه إلى يحى موجه إلي.
(6) قوله تعالى: (فأرسلنا إليها روحنا. .) أي جبريل.
فإن قلت: كيف قال ذلك، مع اتفاق العلماء على أن الوحي لم ينزل على امرأة، ولهذا قالوا في قوله " وأوحينا إلى أم موسى " أنه وحي إلهام، وقيل: وحي منام. قلت: لا نسلم أن الوحي لم ينزل على امرأة، فقد
قال مقاتل في قوله تعالى " وأوحينا إلى أم موسى " أنه كان وحيا بواسطة جبريل، والمتفق عليه إنما هو وحي
الرسالة، لا مطلق الوحي، والوحي هنا إنما هو ببشارة الولد لا بالرسالة.
(7) قوله تعالى: (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) .