إن قلت: كيف قال ذلك، مع أن الشيطان وذريته، ليسوا أولياء بل أعداء، لأن الأولياء هم الأصدقاء؟!
قلت: المراد بالولاية هنا، اتباع الناس لهم فيما يأمرونهم به من المعاصي، فالموالاة مجاز عن هذا، لأنه من لوازمها.
(15) قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها. .) .
قاله هنا بالفاء، الدالة على التعقيب، لأن ما هنا في الأحياء من الكفار، فإنهم ذكروا فأعرضوا عقب ما ذكروا، وقاله في السجدة ب " ثم " الدالة على التراخي، لأن ما هناك في الأموات من الكفار، فإنهم ذكروا مرة بعد أخرى، ثم أعرضوا بالموت فلم يؤمنوا.
(16) قوله تعالى: (فلما بلغامجمع بينهما نسيا
حوتهما. .) الآية.
إن قلت: كيف قال ذلك، مع أن الناسي " يوشع " وحده؟
قلت: نسبة النسيان إليهما مجاز، أو المراد أحدهما، كنظيره في قوله تعالى (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) .
وقيل: نسي " موسى " بفقده الحوت، و " يوشع " أن يخبره بخبره.
(17) قوله تعالى: (حتى إذا ركبا في السفينة خرقها. .) الآية.
قاله بغير فاء، وقال بعد: " حتى إذا لقيا غلاما فقتله " بالفاء، لأنه جعل خرقها جزاء الشرط، فلم يحتج للفاء، وجعل قتل الغلام من جملة الشرط، فعطفه عليه بالفاء، وجزاء الشرط قوله " قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس ".
(18) قوله تعالى: (لقد جئت شيئا إمرا) .
قاله بلفظ " الإمر " لأنه للعجب، والعجب كما يكون في الخير، يكون في الشر، وقاله بعد في قتل الغلام بلفظ " نكرا " لأنه لا يكون إلا في الشر، وقتل النفس أعظم من مجرد خرق السفينة، فناسب كل ما هو فيه، ولذلك قال في خرق السفينة " ألم أقل إنك " بحذف " لك " وفي قتل الغلام " ألم أقل لك إنك " بذكره، ولأن في ذكره، قصد زيادة المواجهة، بالعتاب على ترك الوصية مرة ثانية.
(19) قوله تعالى: (ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا) .
جاء بالأول بالتاء " تستطع " على الأصل، وفي الثاني " تسطع " بحذفها تخفيفا لأنه الفرع، وعكس ذلك في قوله " فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " لأن مفعول الأول اشتمل على حرف، وفعل وفاعل، ومفعول، فناسبه الحذف تخفيفا، بخلاف مفعول الثاني فإنه اسم واحد، وهو قوله " نقبا " فناسبه البقاء على الأصل.
(20) قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين
يعملون في البحر فأردت أن أعيبها. .) .
قاله الخضر في خرق السفينة، وقال في قتل الغلام " فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه " وفي إقامة جدار اليتيمين " فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ".
لأن الأول في الظاهر إفساد محض، فأسنده إلى نفسه.
وفي الثالث إنعام محض، فأسنده إلى ربه تعالى.
وفي الثاني إفساد من حيث القتل، وإنعام من حيث التبديل، فأسنده إلى ربه ونفسه، كذا قيل في الأخيرة.
والأوجه فيه ما قيل: إنه عبر عن نفسه فيه بلفظ
الجمع، تنبيها على أنه من العظام في علوم الحكمة، فلم يقدم على القتل إلا لحكمة عالية.
(521) قوله تعالى: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة. .) .
إن قلت: الشمس في السماء الرابعة (1) ، وهي بقدر كرة الأرض مائة وستين، أو وخمسين، أو وعشرين مرة، فكيف تسعها عين في الأرض تغرب فيها؟
قلت المراد وجدها في ظنه، كما يرى راكب البحر، الشمس طالعة وغاربة فيه، " فذو القرنين " انتهى إلى آخر البنيان في جهة الغرب، فوجد عينا واسعة، فظن أن الشمس تغرب فيها.