كما في سائر الموجودات، إذ كل موجود يدل على قدرته تعالى، وفي ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز، وهو جائز عند الشافعي رضي الله عنه.
فإن قلت: يمنع من شموله للثاني قوله (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) لأنه مفقوه لنا؟
قلت: الخطاب فيه للكفار، وهم لم يفقهوا تسبيح الموجودات، لأنهم أثبتوا لله شركا، وزوجا، وولدا، بل هم غافلون عن أكثر دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد.
(16) قوله تعالى: (وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا)
أعادها بعينها آخر السورة، وليس تكرارا، لأن الأولى من كلامهم في الدنيا حين أنكروا البعث، والثانية من كلام الله تعالى، حين جازاهم على كفرهم وإنكارهم البعث فقال: (مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا) الآية.
وقال هنا: (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا)
وفي الكهف (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا) بزيادة "
جهنم " اكتفى هنا بالإشارة، ولتقدم ذكر جهنم وهي - وإن تقدمت في الكهف - لم يكتف بالإشارة، بل جمع بينها وبين العبارة، لاقتران الوعيد بالوعد بالجنات في قوله (إن ائذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا) ليكون الوعد والوعيد ظاهرين للمستمعين.
(17) قوله تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا) .
إن قلت: لم خص " داود " بالذكر؟
قلت: لأنه اجتمع له ما لم يجتمع لغيره من الأنبياء، وهو الرسالة، والكتابة، والخطابة، والخلافة، والملك، والقضاء، في زمن واحد، قال تعالى (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) وقال (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق. .) .
فإن قلت: لم نكر الزبور هنا، وعرفه في قوله:
" ولقد كتبنا في الزبور "؟
قلت: يجوز أن يكون الزبور من الأعلام التي يستعمل ب " أل " وبدونها، كالعباس، والفضل.
أو نكره هنا بمعنى آتيناه بعض الزبر وهي الكتب، أو أراد به ما فيه ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الزبور، فسمى بعض الزبور زبورا، كما سمى بعض القرآن قرآنا في قوله تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) .
(18) قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) .
قاله هنا بالضمير لقرب مرجعه، وهو الرب في قوله " وربك أعلم ".
وقال في سبأ (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) بالإسم الظاهر، لبعد مرجع الضمير لو أتي به، والمراد فيهما: قل ادعوا الذين زعمتموهم آلهة من دون الله أي غيره لينفعوكم بزعمكم.
فإن قلت: كيف قال " من دونه " مع أن المشركين
ما زعموا غير الله إلها دون الله، بل مع الله على وجه الشركة؟
قلت: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: قل ادعوا الذين من دون الله زعمتم أنهم شركاء.
(10) قوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون. .) ، أي وما منعنا أن نرسل رسولا، بالآيات التي اقترحها أهل مكة على النبيء - صلى الله عليه وسلم -، كجعل الصفا ذهبا، وإزالة جبال مكة ليزرعوا، إلا تكذيب الأولين بها أي بآيات اقترحوها على رسلهم لما أرسلناها فأهلكناهم، ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذبوا بها واستحقوا الإهلاك، وقد حكمنا بإمهالهم ليتم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنا لا نعجل بالعقوبة.
فإن قلت: كيف قال " وما منعنا " الخ مع أنه تعالى لا يمنعه عن إرادته مانع؟