(29) قوله تعالى: (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) .
قاله هنا بحذف النون، وفي النمل بإثباتها، تشبيها لها بحروف العلة، وخص ما هنا بحذفها موافقة لقوله قبل (قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين) ولسبب نزول هذه الآية، لأنها نزلت تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين قتل عمه " حمزة " ومثل به، فقال - صلى الله عليه وسلم -: لأفعلن بهم ولأصنعن، فأنزل الله تعالى: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) الآية، فبالغ في الحذف ليكون ذلك مبالغة في التسلية، وإثباتها في النمل، جاء على القياس، ولأن الحزن ثم، دون الحزن هنا.
" تمت سورة النحل "
سورة الإسراء
(1) قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا. .) .
قال " بعبده " دون نبيه أوحبيبه، لئلا تضل به أمته،
كما ضلت أمة المسيح، حيث دعته إلها.
أو لأن وصفه بالعبودية، المضافة إلى الله تعالى أشرف المقامات، وقال " ليلا " منكرا، ليدل على قصر زمن الإسراء، مع أن بين مكة وبيت المقدس، مسيرة أربعين ليلة، لأن التنكير يدل على البعضية.
والحكمة في إسرائه - صلى الله عليه وسلم - من بيت المقدس، دون مكة، لأنه محشر الخلائق، فيطؤه بقدمه ليسهل على أمته يوم القيامة، وقوفهم ببركة أثر قدمه.
أو لأنه مجمع أرواح الأنبياء، فأراد الله أن يشرفهم بزيارته - صلى الله عليه وسلم -.
أو أسري به منه، ليشاهد من أحواله وصفاته، ما يخبر به كفار مكة، صبيحة تلك الليلة، فيكون إخباره بذلك مطابقا لما رأوا، وشاهدا ودليلا على صدقه في الإسراء.
(2) قوله تعالى: (الذي باركنا حوله. .) .
هو أعم من أن يقال: باركنا عليه، أو فيه، لإفادته شمول البركة، لما أحاط بالمسجد من أرض الشام بالمنطوق، وللمسجد بمفهوم الأولى.
(3) قوله تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها. .) الآية.
" فلها " اللام للاختصاص، أو بمعنى " على "، كما في قوله تعالى: " ويخرون للأذقان سجدا ".
(4) قوله تعالى: (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا) .
قال ذلك هنا بلفظ " كبيرا "، وقاله في الكهف بلفظ " حسنا "، موافقة للفواصل قبلهما وبعدهما.
(5) قوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل. .) .
إن قلت: لم ثنى الآية هنا، وأفردها في قوله
(وجعلناها وابنها آية) ؟
قلت: لتباين الليل والنهار من كل وجه، ولتكررهما، فناسبهما التثنية، بخلاف " عيسى " مع أمه، فإنه جزء منها، ولا تكرر فيهما، فناسبهما الإفراد.
(6) قوله تعالى: (وجعلنا آية النهار مبصرة. .) .
أي مضيئة لأن النهار لا يبصر.
(7) قوله تعالى: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) .
لا ينافي قوله تعالى: (وكفى بنا حاسبين) لأن في يوم القيامة مواقف مختلفة، ففي موقف يكل الله حسابهم
إلى أنفسهم، وعلمه محيط به، وفي موقف يحاسبهم هو تعالى.
وقيل: هو الذي يحاسبهم لا غير، وقوله (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) أي يكفيك أنك شاهد على نفسك بذنوبها، فهو توبيخ وتقريع، لا تفويض حساب العبد إلى نفسه.
وقيل: من يريد مناقشته في الحساب، يحاسبه بنفسه، ومن يريد مسامحته يكل حسابه إليه.
(8) قوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها. .) الآية.
" أمرنا مترفيها " أي أردنا منهم الفسق، أو أمرناهم بالطاعة، أو كثرناهم ففسقوا، يقال: أمرته، وآمرته، بالقصر والمد بمعنى كثرته. وقيد بالمترفين وإن كان الأمر لا يختص بهم، لأن صلاحهم أو فسادهم، مستلزم لصلاح غيرهم أو فساده.