إن قلت: كيف قال ذلك، مع أن الإيمان والشرك لا يجتمعان؟
قلت: معناه: وما يؤمن أكثرهم بأن الله خالقه ورازقه، وخالق كل شىء قولا، إلا وهو مشرك بعبادة الأصنام فعلا.
أو أن المراد به المنافقون، يؤمنون بألسنتهم قولا، ويشركون بقلوبهم اعتقادا.
(17) قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم. .) . قاله هنا، وفي الحج، وفي آخر غافر بالفاء، وقاله
في الروم، وفاطر، وأول غافر بالواو.
لأن ما في الثلاثة الأول، تقدمه التعبير في الإنكار بالفاء في قوله هنا " أفامنوا أن تأتيهم غاشية " وفي الحج " فهي خاوية على عروشها " وفي آخر غافر " فأي آيات الله تنكرون "؟
وما في الثلاثة الأخيرة، تقدمه التعبير بالواو في قوله في الروم: " أو لم يتفكروا في أنفسهم " وفي فاطر " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " وفي أول غافر " وانذرهم يوم الآزفة " " وما تخفي الصدور " " والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ".
" تمت سورة يوسف "
سورة الرعد
(1) قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) .
ختم الآية هنا ب " يتفكرون " وختمها بعد ب " يعقلون "، لأن التفكر في الشيء سبب لتعقله، والسبب مقدم على المسبب، فناسب تقدم التفكر على التعقل.
(2) قوله تعالى: (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها. .) الآية.
إن قلت: كيف قال ذلك هنا، وقال في الحج (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض. .) . وفي النحل (ولله يسجد ما في السموات
وما في الأرض. .) ؟!
قلت: لأنه هنا ذكر العلويات، من الرعد، والبرق، والسحاب، ثم الملائكة بتسبيحهم، ثم الأصنام والكفار، فبدأ بذكر " من في السموات " ليقدم ذكرهم، وأتبعهم من في الأرض، ولم يذكر " من " استخفافا بالأصنام والكفار. وفي الحج تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان، فقد ذكر " من في السموات " لشرفهم، ثم قال " ومن في الأرض " ليقدم ذكر المؤمنين.
وفي النحل: تقدم ذكر ما خلقه الله عاما، ولم يكن فيه ذكر الملائكة والرعد، ولا الإنس بالتصريح، فاقتضت الآية " ما في السموات وما في الأرض " فقال في كل آية ما يناسبها.
(3) قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. .) قاله هنا، وفي القصص،
والعنكبوت، والروم، بلفظ " الله " وفي الإسراء، وفي سبأ في موضعين بلفظ الرب، وفي الشورى بإضممار لفظ " الله " وبزيادة " له " في العنكبوت، وفي ثاني موضعي سبأ، موافقة لتقدم تكرر لفظ " الله " في السور الأربع، ولتقدم تكرر لفظ الرب في المواضع الثلاثة، ولتقدم تكرر الإضمار في الشورى.
وزاد في العنكبوت " من عباده " و " له " موافقة لبسط الكلام على الرزق المذكور فيها صريحا.
وزاد في القصص " من عباده " موافقة لذلك، وإن كان لفظ الرزق فيه تضمنا.
وزاد " له " في ثاني موضعي سبأ، لأنه نزل في المؤمنين، وما قبله في الكافرين.
وحذف لفظ " الله " في غير العنكبوت، وفي أول موضعي سبأ اختصارا.
(4) قوله تعالى: (قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (27)) .
إن قلت: كيف طابق هذا الجواب قولهم (لولا أنزل عليه آية من ربه "؟
قلت: المعنى قل لهم: إن الله أنزل علي آيات ظاهرة، ومعجزات قاهرة، لكن الإضلال والهداية من الله، فأضلكم عن تلك الآيات، وهدى إليها آخرين، فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات. أو هو كلام جرى مجرى التعجب من قولهم، لأن الآيات الباهرة المتكاثرة، التي ظهرت على يد النبي - صلى الله عليه وسلم -، كانت أكثر من أن تشتبه على العاقل، فلما طلبوا بعدها آيات أخر، كان محل التعجب والإنكار، فكانه قيل لهم: ما أعظم عنادكم!! إن الله يضل من يشاء، كمن كان على صنيعكم، من التصميم