(8) قوله تعالى: (وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون..) .
قال ذلك هنا، وقال في سبأ: " عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ".
ذكر الوصف والضمير هنا، نظرا للمضاف وهو العذاب، وأنثهما ثم نظرا للمضاف إليه وهو النار، وخص ما هنا بالتذكير، لأن النار وقعت موقع ضميرها لتقدم ذكره، والضمير لا يوصف فناسب التذكير، وفي سبأ لم يتقدم ذكر النار ولا ضميرها، فناسب التأنيث.
(9) قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) .
إدن قلت: هذا سؤال عن وقت الفتح - وهو يوم القيامة - فكيف طابقه الجواب بقوله " قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم "؟!
قلت: لما كان سؤالهم سؤال تكذيب واستهزاء بيوم القيامة، لا سؤال استفهام، أجيبوا بالتهديد المطابق للتكذيب والاستهزاء، لا ببيان حقيقة الموقت، وإن فسر الفتح ب " فتح مكة " أو بيوم بدر، كان المراد أن المتولين لم ينفعهم إيمانهم حال القتل كإيمان فرعون، بخلاف الطلقاء الذين آمنوا بعد الأسر، فالجواب بذلك مطابق للسؤال من غير تأويل.
" تمت سورة السجدة "
سورة الأحزاب
(1) قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين. .) .
لم يقل في ندائه " يا محمد " كما قال في نداء غيره " يا موسى، يا عيسى، يا داود " بل عدل إلى " يا أيها النبي " إجلالا له وتعظيما، كما قال: (يا أيها الرسول) وإنما عدل عن وصفه إلى اسمه في الإخبار عنه في قوله (محمد رسول الله) وقوله (وما محمد إلا رسول) ليعلم الناس أنه رسول الله، ليلقبوه بذلك ويدعوه به.
(2) قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم. .) ، أي في الحرمة والاحترام، وإنما جعلهن الله كالأمهات، ولم يجعل نبيه كالأب، حتى قال: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) لأنه تعالى أراد
أن أمته، يدعون أزواجه بأشرف ما تنادى به النساء وهو الأم، وأشرف ما ينادى به النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظ " الرسول " لا الأب، ولأنه تعالى جعلهن كالأمهات، إجلالا لنبيه، لئلا يطمع أحد في نكاحهن بعده، ولو جعله أبا للمؤمنين، لكان أبا للمؤمنات أيضا فيحرمن عليه، وذلك ينافي إجلاله وتعظيمه، ولأنه تعالى جعله أولى بنا من أنفسنا، وذلك أعظم من الأب في القرب والحرمة، إذ لا أقرب للإنسان من نفسه، ولأن من الآباء من يتبرأ من ابنه، ولا يمكنه أن يتبرأ من نفسه.
(3) قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح. .) الآية، فيها عطف الخاص على العام، وقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذكر، على مشاهير الأنبياء، لبيان شرفه وفضله عليهم، صلى الله وسلم عليهم أجمعين، وإنما قدم نوح في آية (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) لأنها سيقت لوصف ما بعث به نوح من العهد القديم، وما بعث به نبينا من العهد الحديث، وما
بعث به من توسطهما من الأنبياء المشاهير، فكان تقديم نوح فيها أشد مناسبة للمقصود.
(4) قوله تعالى: (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) .
فائدة إعادته التأكيد، أو المراد بالميثاق الغليظ: هو اليمين بالله تعالى، على الوفاء بما حملوا، وعليه فلا إعادة لاختلاف الميثاقين.
(5) قوله تعالى: (ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم. .) الآية.
إن قلت: كيف علق عذابهم بمشيئته، مع أن عذابهم متيقن الوقوع لقوله تعالى " إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار "؟!