سورة لقمان
(1) قوله تعالى: (ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا. .) .
قال هنا بزيادة " كأن في أذنيه وقرا " وفي الجاثية بحذفه، مع أنهما نزلا في " النضر بن الحارث " حيث كان يعدل عن سماع القرآن، إلى اللهو وسماع الغناء، لأنه تعالى بالغ في ذمه هنا، فناسب زيادة ذلك، بخلاف ما في الجاثية.
(2) قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن. .) الآيتين.
إن قلت: كيف وقعت الآيتان في أثناء وصية لقمان لابنه؟
قلت: هما من الجمل الاعتراضية، التي لا محل لها من الإعراب، اعترض بها بين كلامين متصلين معنى، تأكيدا لما في وصية لقمان لابنه من النهي عن الشرك.
فإن قلت: لم فصل بين الوصية ومفعولها بقوله " حملته أ مه وهنا على وهن وفصاله في عامين "؟
قلت: تخصيصا للأم بزيادة التأكيد في الوصية، لما تكابده من المشاق.
(3) قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر..) .
إن قلت: المطابق لأولها أن يقال: وما في الأبحر من ماء مداد، فلم عدل عنه إلى قوله " والبحر يمده من بعده سبعة أبحر "؟
قلت: استغنى عن المداد بقوله " يمده " من مد الدواة وأمدها أي زادها مدادا، فجعل البحر المحيط بمنزلة الدواة، والأبحر السبعة مملوءة مدادا أبدا لا تنقطع، فصار نظير ما قلتم،
ونظير قوله تعالى: " قل لو
كان البحر مدادا لكلمات ربي " الآية، وأشار ب " لو " إلى أن البحار غير موجودة، أي لو مدت البحار الموجودة سبعة أبحر أخرى، وذكر السبعة ليس للحصر بل للمبالغة، وإنما خصت بالذكر لكثرة ما يعد بها، كالكواكب السيارة، والسموات والأرضين وغيرها، ولأنها عدد تنحصر فيه المعدودات الكثيرة، إذ كل أحد يحتاج في حاجته إلى زمان ومكان، والزمان منحصر في سبعة أيام، والمكان في سبعة أقاليم.
فإن قلت: المقصود هنا التفخيم والتعظيم، فكيف أتى بجمع القلة في قوله " كلمات الله "؟
قلت: جمع القلة هنا أبلغ في المقصود، لأن جمع القلة إذا لم ينفد بما ذكر من الأقلام والمداد، فكيف ينفد به جمع الكثرة؟!
(4) قوله تعالى: (كل يجري إلى أجل مسمى. .) الآية.
قاله هنا بلفظ " إلى " وفي فاطر، والزمر بلفظ اللام،
لأن ما هنا وقع بين اثنتين دالتين على غاية ما ينتهي إليه الخلق، وهما قوله تعالى: " ما خلقكم ولا بعثكم إلا
كنفس واحدة " وقوله: " يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما " الآية، فناسب ذكر " إلى " الدالة على الانتهاء، والمعنى لا يزال كل من الشمس والقمر جاريا، حتى ينتهي إلى آخر وقت جريه المسمى له، وما في فاطر والزمر خال عن ذلك، إذ ما في فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهاء به، وما في الزمر ذكر مع ابتداء به فناسب ذكر اللام المعدية، والمعنى: يجري كل مما ذكر لبلوغ أجل.
(5) قوله تعالى: (إن الة عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام. .) الآية.
أضاف فيها العلم إلى نفسه في الثلاثة من الخمسة المذكورة، ونفى العلم عن العباد في الأخيرين منها، مع أن الخمسة سواء في اختصاص الله تعالى بعلمها، وانتفاء علم العباد بها، لأن الثلاثة الأول أمرها أعظم وأفخم، فخصت بالإضافة إليه تعالى، والأخيرين من صفات العباد، فخضا بالإضافة إليهم، مع أنه إذا انتفى عنهم علمهما، كان انتفاء علم ما عداها من الخمسة أولى. فإن قلت: لم قال تعالى " بأي أرض تموت " ولم يقل: بأي وقت تموت، مع أن كلا منهما غير معلوم