بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي نور قلوب العارفين بكتابه العظيم، وأطلعهم على خبايا الزوايا بالبرهان القويم، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام.
وبعد:
فهذا مختصر في ذكر آيات القرآن المتشابهات، المختلفة بزيادة، أو تقديم، أو إبدال حرف بآخر، أو غير ذلك مع بيان سبب تكراره، وفي ذكر أنموذج من أسئلة القرآن العزيز وأجوبتها، صريحا أو إشارة، جمعته من كلام العلماء المحققين، ما فتح الله به من فيض فضله المتين، وسميته ب: " فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن ".
والله أسال أن ينفع به، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وهو حسبي ونعم الوكيل.
سورة الفاتحة
(1) قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم)
أي أبتدىء. وتقدير العامل مؤخرا كما صنعت أولى من تقديمه ليفيد الاختصاص، والاهتمام بشأن المقدم. وإنما قدم في قوله " اقرأ باسم ربك " للاهتمام بالقرآن، لأن ذلك أول سورة نزلت.
(2) قوله تعالى: (الرحمن الرحيم)
كرره لأن الرحمة هي الإنعام على المحتاج، وذكر في الآية الأولى المنعم دون المنعم عليهم، وأعادها مع ذكرهم بقوله (رب العالمين) الخ.
فإن قلت: الرحمن أبلغ من الرحيم فكيف قدمه؟ وعادة العرب في صفات المدح الترقي من " الأدنى " إلى " الأعلى " كقولهم: فلان عالم نحرير. . لأن ذكر الأعلى أولا، ثم الأدنى، لم يتجدد بذكر الأدنى فائدة، بخلاف عكسه؟!
قلت: إن كانا بمعنى واحد كندمان ونديم، كما قال الجوهري وغيره فلا إشكال، أو بأن " الرحمن " أبلغ كما عليه الأكثر، فإنما قدمه لأنه اسم خاص بالله تعالى كلفظ " الله ".
(3) قوله تعالى: (وإياك نستعين)
كرر (وإياك) لأنه لو حذفه في الثاني لفاتت فائدة التقديم، وهي قطع الاشتراك بين العاملين، إذ لو قال: " إياك نعبد ونستعين " لم يظهر أن التقدير إياك نعبد وإياك نستعين. . أو إياك نعبد ونستعينك!!
فإن قلت: إذا كان " نستعينك " مفيدا لقطع الاشتراك بين العاملين، فلم عدل عنه مع أنه أخصر، إلى " وإياك نستعين "؟
قلت: عدل إليه ليفيد الحصر بين العاملين مع أنه أخصر.
فإن قلت: فلم قدم العبادة على الاستعانة، مع أن الاستعانة مقدمة، لأن العبد يستعين الله على العبادة ليعينه عليها؟
قلت: الواو لا تقتضي الترتيب، أو المراد بالعبادة التوحيد وهو مقدم على الاستعانة على سائر العبادات.
(4) قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم) .
كرر " الصراط " لأنه المكان المهيأ للسلوك، فذكر في الأول المكان دون السالك، فأعاده مع ذكره بقوله (صراط الذين أنعمت عليهم) الخ. . المصرح فيه بما يخرج " اليهود " وهم المغضوب عليهم، و " النصارى " وهم الضالون.
فإن قلت: المراد " بالصراط المستقيم " الإسلام، أو القرآن، أو طريق الجنة كما قيل. . والمؤمنون مهتدون إلى ذلك، فما معنى طلب الهداية له، إذ فيه تحصيل الحاصل؟
قلت: معناه ثبتنا وأدمنا عليه مع الاستقامة كما في قوله (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله) .
فإن قلت: ما فائدة دخول " لا " في قوله (ولا الضالين) مع أن الكلام بدونها كاف في المقصود؟
قلت: فائدته توكيد النفي المفاد من " غير "