بسم الله الرحمن الرحيم
[وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمد لله الذي وصل من انقطع إليه بدينه القويم، ورفع من أسند أمره إليه باتباع سنة نبيه الكريم، وهدى من وفقه إلى طريق (1) مستقيم.
أحمده على آلائه، وأشكره على نعمائه، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، الكريم الحليم الستار، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه، وحبيبه، وخليله، صلى الله وسلم عليه، وعلى إخوانه النبيين، وعلى آل كل، وسائر الصالحين.] (2)
وبعد:
فإن ألفية علم الحديث المسماة ب " التبصرة والتذكرة " (3) للشيخ الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، أبي الفضل عبد الرحيم زين الدين بن الحسين بن عبد الرحمان (4) بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (5)؛ لما اشتملت على نقول عجيبة، ومسائل غريبة، وحدود منيعة، وموضوعات بديعة، مع كثرة علمها، ووجازة نظمها؛ طلب مني بعض الأعزة علي من الفضلاء المترددين إلي أن أضع عليها شرحا يحل ألفاظها، ويبرز دقائقها، ويحقق مسائلها، ويحرر دلائلها.
فأجبته إلى ذلك، بعون القادر المالك، ضاما إليه من الفوائد المستجادات (6) ما تقر به أعين أولي الرغبات؛ راجيا بذلك جزيل الأجر والثواب، من فيض مولانا الكريم (7) الوهاب، وسميته " فتح الباقي بشرح ألفية العراقي ". PageV01P085
والله أسأل أن ينفع به، ويجعله خالصا لوجهه الكريم.
وأرويها وشرحها دراية ورواية عن مشايخ الإسلام: الشهاب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، والشمس محمد بن علي القاياتي الشافعيين، والكمال محمد بن الهمام الحنفي (1).
برواية الأول لهما عن مؤلفهما، والثاني عن ابن مؤلفهما شيخ الإسلام أبي زرعة ولي الدين (2)، والثالث عنه، وعن الإمام السراج (3) قارئ " الهداية "، عن مؤلفهما. وحيث أطلقت شيخنا فمرادي به الأول.
قال المؤلف:
(بسم الله الرحمن الرحيم) (4) أي: أؤلف. والاسم مشتق من ((السمو)) [بضم السين وكسرها] (5)، وهو: العلو، وقيل: من ((الوسم)) وهو: العلامة (6).
و (الله) علم على الذات الواجب الوجود، المستحق (7) لجميع المحامد.
و (الرحمان) و (الرحيم) صفتان مشتقتان (8) بنيتا للمبالغة من ((رحم)) كغضبان من ((غضب)). PageV01P086
والرحمة لغة (1): رقة القلب (2). وهي كيفية نفسانية، تستحيل في حق الله تعالى (3)؛ فتحمل على غايتها، وهي الإنعام؛ فتكون صفة فعل، أو الإرادة؛ فتكون صفة ذات (4).
والرحمان أبلغ من الرحيم؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، كما في ((قطع)) و ((قطع)) (5).
(1) يقول راجي ربه المقتدر (6) ... عبد الرحيم بن الحسين الأثري
(2) من بعد حمد الله ذي الآلاء ... على امتنان جل عن إحصاء
(3) ثم صلاة وسلام دائم ... على نبي الخير ذي المراحم
(يقول راجي ربه) أي: مؤمل عفو مالكه (المقتدر) أي: تام القدرة على ما يريد.
قال الناظم في " شرحه الكبير " (7): والمقتدر من أسماء الجلال والعظمة.
قال: وكان المناسب لراجي ربه أن يذكر بدله اسما من أسماء الرأفة والرحمة؛ لكن الذي ذكره أبلغ في قوة الرجاء؛ إذ وجوده مع استحضار صفات الجلال أدل على وجوده مع استحضار صفات الجمال.
(عبد الرحيم) عطف بيان على راجي، أو بدل منه، أو خبر مبتدإ محذوف (8). (بن الحسين الأثري) -بفتح الهمزة والمثلثة-، نسبة إلى ((الأثر)) (9)، وهو الأحاديث PageV01P087