بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فضل نبينا على جميع البشر، وتفضل علينا باختصاصه بأزكى الكرامات والبشر، وأرسله رحمة للعالمين من الباقين ومن غبر، وأكمله بما تأيد به من المعجزات والكرامات المتواتر بها الخبر، وجعل طريقته أجمل الطرق، وسيرته أكمل السير، وخذل من أعرض عن أسبابه بالغرض الفاسد الجالب لكل ضرر، وتكفل بعصمته من كل كدر، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، من طاب سيرة، وحسن علانية وسريرة، وبه الوجود ضاء وافتخر، وعليه المعول في كل محمود، سيما فصل القضاء في المحشر صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه القائمين بنصر الدين المعتبر، والساعين في نشر ما يضاف إليه من أثر، صلاة وسلاما دائمين كل مساء وسحر.
وبعد: فإن أولى ما به الأخباري يعتني، وأغلى ما له الأثاري يقتني، معرفة سيرة نبي العجم والعرب، والداعي لأتم الطاعات والقرب، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، أشرف مرسل ومنتسب، المتضمنة لمولده ونسبه، وأصله وحسبه، ورضاعه وأسمائه، ومنشأه إلى انتهائه، ومبدأ البعث والنبوة، مما ظهر من تلك الآيات والعلامات الشاهدة للقوة، كانشقاق القمر بالدليل القطعي الذي اشتهر، والإسراء والمعراج، والهجرة، ثم فتح مكة التام به الانتهاج، وبناء المسجد الشريف، وبكاء الجذع PageV01P025 المنيف، ومغازيه وسيره، وبعوثه وعمره، وحجة الوداع، البديعة الارتفاع، وحليته وصفاته، وأخلاقه وشمائله، ونعوته وخصائله، وأعمامه وعماته، وبنيه وبناته، ومواليه وأمرائه، وأصحابه وخيله وسلاحه، وسائر أشيائه، وخصائصه ومعجزاته، ثم مرضه ووفاته، إلى غير ذلك مما يعظم النفع به للسالك، بل هو فيما قال ابن فارس إمام اللغويين: ((مما يحق معرفته على المسلمين)).
وظاهره كما لبعضهم: الوجوب، وإليه ميل ما في القلوب، ولكن قال غيره: ((إن التهمم بمعرفة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما يضاف لذلك مما هو مأثور ومنقول، من أولى ما يهتم به، ويقدم العارف بسببه، ويتوفر علمه عمن لا يعلمه)).
وصرح بعض العلماء الفهماء ((بتقبيح من جهل ما كان للمصطفى، ذي الصدق والوفا، من الفضائل الذاتية والعرضية، والشمائل البهية، والسيرة المرضية، ممن ارتسم بالعلم، وزعم أنه من ذوي الدراية والحلم، وقرر أن PageV01P026 من اجتهد في الإحاطة بما أمكنه من ذلك، وإماطة الجهل عن نفسه لهذه المسالك، يكون فيما نرجو جديرا بإجابة فتاني القبر إذا سألاه، بصيرا بما يندفع به الشك والاشتباه من فضل مولاه)).
وكفى بقول رب العالمين، في كتابه المبين: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين}، شاهدا للإيمان لنحو مما نحن فيه، مما هو غني عن الإيضاح والتنبيه.
ولذا استدل بها الأستاذ الأواه أبو القاسم الجنيد رحمه الله لما يندرج فيه هذا المعنى، ويمتزج معه بالحسنى، فإنه كما قال: ((الحكايات جند من جنود الله عز وجل)).
وقيل له: من أين لك هذا القول المطمئن إليه بعد الوجل؟ ((تلا هذه الآية، واستغنى بها للحكاية)).
بل هي من الشواهد لمطلق الأخبار الواردة للتعريف والاعتبار، ولله در القائل:
إذا عرف الإنسان أخبار من مضى ... توهمته قد عاش من أول الدهر PageV01P027 ولعمري إنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، فكيف من هو عين الرحمة، والعروة الوثقى والعصمة، من كشف الله تعالىبه عن الوجود الغمة، وصرف بوجوده عن الأمة الهلاك بالسنة والنقمة، وتمت باتباعه النعمة، وعمت بحديثه وإسماعه الخيرات الجمة، سيد الأولين والآخرين، وسند المتقدمين والمتأخرين، والتعرض لهذا فوز [ينبئ بمحبة]، معلن بقصد التقرب والقربة، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره، والمحب مع محبوبه، في علوه وفخره، ممن يخوله المسامحة في تقصيره، وترك المشاححة في كثير من أموره، عملا بقوله تعالى المتلو بألسنتكم وقلوبكم: