مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
إن أحرى ما يملى في تباشير الخطب والديابيج، وأحسن ما يتلى في بحابيح الدياجر والدياييج، وأبهى فرايد تنظم في عقد الجمان، وأسنى جواهر ترصع في يواقيت أركان الأذهان، حمد من هدانا منهج الهداية، وشكر من أنجانا من مسلك الغواية، الذي أرشدنا دينا مضيا، وعلمنا شرعا مرضيا هنيا، وبعث إلينا نبيا صادقا أمينا، من أكرم محتد وأشرف جرثومة، وأطيب مغرس وأعرف أرومة، عليه صلوات لا ينهى عددها، ولا يحاط مبلغها، ولا يدرك أمدها، ثم على أزواجه الطاهرات، ونسائه الزاكيات، وعلى خلفائه الراشدين، وآله وصحبه أجمعين، والرضوان على علماء المسلمين، مصابيح الدنيا والدين، ما دخل الليل في النهار، وما هبت الرياح وامتدت الأنهار.
أما بعد:
فإن العبد الفقير إلى ربه الغني، أبا محمد محمود بن أحمد العيني، عامله الله ووالديه بلطفه الخفي، يقول: لما وقعت في الديار المصرية، ديار خير وعلم وأمنية، ورأيت الترك منكبين على المختصر الموسوم بتحفة الملوك، لكونه هاديا إلى أوضح السلوك، راغبين فيه غاية الرغبة، مجتهدين فيه بأشد همة، لكونه مختصرا لطيفا، ومنتخبا شريفا، بحيث يحصل منه الحظ للمبتدئ والفضل للمنتهي، وأنه محتاج إلى الشرح والإيضاح، والبيان والإفصاح، أردت أن أشرح له شرحا يذلل الصعاب، ويزيل عن مخدراته النقاب، متعرضا لحل المتن وبسط مسائله، وإيضاح ما يحتاج إلى البيان من دلائله، مترجما بكتابه (منحة السلوك في شرح تحفة الملوك) فالمسؤول من الله أن يرزقنا الفهم والدراية، ويعصمنا عن الجهل والغواية، ويوفقنا طريق الصواب، PageV01P023 # ويحجزنا عن الوقوع في مظان الارتياب، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. ومأمول من الناظر فيه أن ينظر بعين الصدق والصفا، ولا ينظر بعين الحسد والجفا، فإن الجسد لا يخلو عن الحسد، ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه، اللهم اعصمنا عن نفث عاقد إذا عقد ومن شر حاسد إذا حسد، توكلي عليه وهو حسبي ونعم الوكيل. PageV01P024
بسم الله الرحمن الرحيم
أقول: قد جرى دأب السلف والخلف من المصنفين رحمهم الله أن يعنونوا كتبهم بالبسملة وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: اقتداء بالكتاب العزيز المستفتح هكذا، والثاني: عملا بقوله عليه السلام: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) رواه أبو داود وابن ماجه، والثالث: تبركا باسم الله في ابتداء الأمر، وتفاؤلا به ليوفقه طريق الرشاد، ويسلكه سنن السداد، ويعاذ به من شر أبي كردوس الرجيم، ويلاذ به من مكره العظيم، فإن فيه معاذا للمؤمنين وملاذا للمسلمين.
ألا يرى أن من اعتراه خطب جسيم واحتواه أمر عظيم، كيف يتلفظ باسم من هو يعزو نفسه إلى بابه، ويعدها من جملة أحبابه ليحصل له المناص من ذلك والخلاص في ذلك.
وكيف ينتب من حواليه، وينشرد من جوانيه، من هو به حصل له ما حصل PageV01P025 # ووقع له ما وقع، فبالحرى ذلك في اسم الله تعالى؛ لأنه هو المخلص في الدنيا والآخرة، والمنجي من مكائد أبي مرة ومصايد الحارث ووساوس الولهان، وكيف لا وإن سائر أسماء الله تعالى جميعها مضمنة، فيه مندرجة فيما تحته، كما قيل: إن لفظة الله اسم للذات، مستجمع لجميع الصفات، وأن سورة التوحيد مخصوصة به، وكلمة الشهادة واقعة به، والأيمان مشروعة به.