فصل في أمر الرسول باجتناب معاشرة أرباب الأمراض
أمر - صلى الله عليه وسلم - باجتناب معاشرة أرباب الأمراض المعدية، كما في حديث أبي هريرة مرفوعا "فر من المجذوم كما تفر من الأسد" وصح في حديث جابر "أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فقال له: إنا بايعناك فارجع". وفي حديث ابن عباس مرفوعا "لا تديموا النظر إلى المجذومين". وجاء في حديث آخر "كلم المجذوم وبينك وبينه قدر رمح أو رمحين". والجذام مرض خبيث يظهر من انتشار السوداء في جميع البدن، فيفسد مزاج الأعضاء ويغير شكلها وهيأتها. وجد في حديث آخر أنه - صلى الله عليه وسلم - أكل مع مجذوم طعاما، وأخذ بيده وجعلها معه في القصعة، وقال: "كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه". والجواب عن حديث "لا عدوى ولا طيرة" قالوا: إنما أمر بالاحتراز منهم، لئلا يصل هذا المرض إلى أحد والعياذ بالله، فيتصور له بهذا أن العدوى حق. PageV01P245
وقال بعضهم في الجواب: الأمر باجتناب المجذوم على سبيل الاستحباب والاختيار والإرشاد، ومؤاكلة المجذوم لبيان جواز الفعل والإعلام بأنه غير حرام.
وقال بعضهم في الجواب: إن الخطاب فيه غير كلي لكل مؤمن وإنما خاطب كل مؤمن بما يليق ويتسع له حاله، فمن كان إيمانه وتوكله في نهاية القوة فلا يتضرر بمخالطتهم لأن قوة إيمانه تدفع قوة العدوى، وأما الضعفاء فأمرهم بالاحتياط والاحتراز، وهو - صلى الله عليه وسلم - باشر الصورتين ليقتدى به، فيأخذ القوى بطريق التوكل والضعيف بطريق التحفظ.
فصل في منع الرسول عن التداوى بالمحرمات
روى أبو الدرداء "أن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بالمحرم"، وروى ابن مسعود "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"، وسأل طارق النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عمل الخمر فنهاه، فقال: إنما أصنعه للدواء، فقال: "إنه ليس بدواء لكنه داء" وفي لفظ آخر في سنن أبي داود والترمذي عن طارق "قلت: يارسول الله إن بأرضنا أعنابا نعتصرها ونشرب منها. قال: لا، فراجعته، فقلت: إنا نستشفى بها للمريض قال: "إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء"، وفي سنن النسائى مروى "أن طبيبا ذكر أن الضفدع تنفع في هذا الدواء فنهى - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الضفدع"، وثبت في حديث آخر "من تداوى بالخمر فلا شفاه الله".