فصل أقوال النبي في الكي
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحب الكي. ومع هذا كان يأمر به عند الضرورة، وأرسل مرة طبيبا إلى أبي بن كعب، فرآه وكواه، ولا جرح سعد بن معاذ (¬2) في أكحله أمر أن يكوى. فورم فكوى ثانيا. وأمر أسعد بن زارة فكوى من داء (¬3) الشوكة، والشوكة - حمرة شديدة تستولى على الوجه والجبهة - وكوى جابر على الأكحل.
مجموع هذه الأحاديث صحيح، وقد بينا من قبل أنه نهى الأمة عن الكى، والجواب عنه أن الأحاديث على أربعة أنواع: بعضها دال على الفعل، وبعضها دال على دعم المحبة، وبعضها دال على الثناء والمدح على تاركه، وبعضها مشتمل على النهى عنه.
أما الفعل فيدل على الجواز. وأما عدم الحبة فلا يدل على المنع. وأما الثناء والدح على الترك، فدليل على الأفضلية والأولوية، وأما النهى عنه فإنه محمول على أنه لن يفعله مختارا، أو يفعله من خوف حدوث مرضا فلا يكون بين الأحاديث تعارض. PageV01P233
فصل في علاج عرق النساء
وهو ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دواء عرق النساء آلية شاة أعرابية تذاب، ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم تشرب على الريق، في كل يوم جزءا". ولما كان هذا المرض يحدث من مادة غليظة لزجة، أو من يبس مزاج، احتاج إلى إنضاج وتليين، وهما في الألية بالخاصية، فأمر - صلى الله عليه وسلم - أن يعالج بها، وإنما خص الشاة بالأعرابية لأنها أصغر وألطف، وخاصية مراعى الشيح والقيصوم والنباتات اللطيفة فيها موجودة.
فصل في معالجة يبس المزاج
أمر - صلى الله عليه وسلم - في معالجة يبس المزاج بالتليين، واختار للتليين السنا المكى "سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسماء بنت عميس: بم كنت تستمشين؟ قالت: بالشبرم. قال: حار جار. ثم قال: استمشين بالسنا". وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لو كان شيء يشفى من الموت كان السنا" - الشبرم نبت معروف في الحجاز يستعمل من قشور عروق جذوره. (قوله) - صلى الله عليه وسلم -: "حار جار" أول الأولى حاء مهملة والثانية جيم، وهذا من باب الاتباع يقال في المبالغة.
وقال - صلى الله عليه وسلم - "عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام".
وفي تفسير السنوت ثمانية أقوال:
الأول: العسل.
الثاني: رب عكة السمن يخرج مخلوطا بالسمن.
الثالث: حمة تشبه الكمون وليست به. PageV01P234
الرابع: كمون كرمان.
الخامس: الرزيانج.
السادس: الشبت.
السابع: التمر.
الثامن: عسل يكون في أسفل ظروف السمن، وهذا المعنى أقرب لأن السنا المدقوق المخلوط بعسل مخلوط بسمن أقوى للإسهال وأصلح، وجاء في حديث آخر "خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشاء". السعوط يقال لدواء يقطر في الدماغ عن طريق الأنف، واللدود يقال لدواء يصب في الحلق من أحد جانبى الفم، والمشاء دواء مسهل.