فصل في العادة النبوية في معاشرة أزواجه الطاهرات ومباشرتهن
قال - صلى الله عليه وسلم -: "حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى في الصلاة" (¬2) وبعض المصنفين يزيد لفظ ثلاث وذلك غلط، وحيث لم يستقم أولوه بتأويلات كلها سهو. فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا، وأحب الأشياء إليه من أمور الدنيا النساء والطيب، وفي كثير من الليالى كان يطوف على جميع نسائه التسع، وأكرمه الله بقوة ثلاثين رجلا من الأقوياء. لا جرم أبيح له ما شاء من النساء. وكان يسوى بينهن في المبيت والإيواء، والنفقة، وجميع الأمور.
وأما في المحبة فقال: "اللهم هذا قسمتى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك" (¬3) يعني في المحبة والمجامعة. PageV01P220
وفي وجوب رعاية المساواة بينهن عليه قولان:
أحدهما وجوب القسم.
الثاني أنه كان يجوز له أن يعاشرهن بغير قسم وذا من خصائصه، وطلق بعضهن وراجع، وآلى مؤقتا بشهر، ولكن ما ظاهر، وبعض الفقهاء قال ظاهر أيضا، وهو غلط واضح، وسهو فاضح، وسيرته معهن أحسن السير، وقد قال: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى" (¬1).
وكان يسوق بنات الأنصار إلى عائشة ليلاعبوها، وإذا التمست أمرا ليس فيه محظور وافق، وتابع. وشربت من كوز فأخذه - صلى الله عليه وسلم - ووضع شفته موضع شفتها ثم شرب، ورفعت عظما فنهشت مما عليه من اللحم، فأخذه - صلى الله عليه وسلم - من يدها، وأكل من موضع فمها، وكان يتكئ عليها، ويقرأ القرآن، وكان يجعل رأسه في حضنها، ويتلو، وإن كانت حائضا.
وفي حالة الحيض كان يأمرها بشد الإزار، ثم يعانقها فوقه، ويلصق سائر بشرته بها، وكان يقبلها في أيام الصيام، ومن كمال لطفه، وغاية مكارم أخلاقه مع أهل بيته، أنه كان يمكنها من اللعب باللعب، كما هي عادة البنات، واتكأت على كتفه لتنظر إلى الحبشة ورقصهم.
وفي السفر سابقها مرتين راجلا، سبقته عائشة في المرة الأولى، وفي المرة الثانية كانت عائشة قد بدنت فسبقها - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هذا بذاك" وخرجا مرة من الحجرة معا وتدافعا عند محل الباب، حتى خرجا، وكان إذا عزم على سفر أقرع بينهن، فمن وقعت قرعتها ذهب بها، ولم يقض للمقيمات عند العود وربما لاعب احداهن، ووضع يده عليها بحضور الجميع، وكان يطوف على PageV01P221 # الحجرات كلها في كل يوم بعد العصر، يتفقد أحوال أهلها، فإذا جن الليل بات في حجرة صاحبة النوبة، وقسم بين ثمانية من نسائه، لأن سودة - رضي الله عنها - وهبت نوبتها لعائشة، فكانت لعائشة ليلتان (¬1) وللأخريات ليلة ليلة.
والذي وقع في صحيح مسلم، عن عطاء، أنه قال: الزوجة التي لم يقسم لها هي صفية، غلط صريح من عطاء، وسبب هذا الوهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد على صفية في بعض الأيام، فاضطربت صفية وقالت لعائشة: إن استطعت أن ترضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عني وهبتك نوبتى، فقالت عائشة: بلى، ثم جاءت وقعدت إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم نوبة صفية فقال: "أبعدى فإن اليوم ليس نوبتك" قالت عائشة: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وحكت له، فرضى - صلى الله عليه وسلم - عن صفية.
وهذه الحالة إنما كانت في يوم واحد، ونوبة واحدة لا غير. فإذا وهم بعض الرواة، وحديث كان يقسم ثمان صحيح، وكان من السادة النبوية أنه إذا واقع في أول الليل اغتسل، ثم نام في بعض الأحيان.