فصل بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - للذبائح
اعلم أن الذبائح التي تحصل بها القربة، ثلاثة أنواع: أحدها: الهدي، الثاني: الأضحية، الثالث: العقيقة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرسل الهدي: الغنم، والإبل.
وكان يهدي عن أمهات المؤمنين البقر، ولما حج ساق الهدى معه، ولما اعتمر أيضا ساق معه الهدى، وكان إذا قام في بعض الأعوام أرسل الهدى مع من يذهب إلى مكة.
ولم يكن في حالة إرسال الهدى يحرم عليه شيء. وكان من عادته إذا أهدى غنما أن يقلدها، وإذا أهدى إبلا قلدها وأشعرها، وقد تقدم بيان ذلك، كان إذا أرسل الهدى على يد أحد، أمره إذا أشرف شيء على الهلاك PageV01P158 # أن يذبحه، ويصبغ نعله بدمه، ويضرب به صفحته، ولا يأكل منه هو، ولا من في تلك الصحفة، وإن حضر أجانب قسم المذبوح بينهم (¬1).
وكان يهدي البدنة، والبقرة، عن سبعة. وكان يبيح ركوب الهدى، وقت الحاجة ما لم يجد غيره, وينحر الإبل قائمة معقولة اليسار، ويقول عند النحر "بسم الله والله أكبر".
وكان إذا ذبح الغنم جعل قدمه المباركة على صفحتها، وأباح لأمته أن يأكلوا من هديهم (¬2) ويتزودوا، وكان يقسم الهدى حينا، وحينا يقول: "من له حاجة فليقطع لنفسه"، واستدل بعضهم بهذا على جواز الانتهاب في النثار، وما ساق من الهدى في العمرة، نحره عند المروة إليه. وما ساق في الحج نحره في منى، ولم ينحر أبدا إلا بعد صلاة العيد، ولم ينحر قبل يوم العيد أبدا، وهذه الأمور مرتبة هكذا في يوم العيد رمى جمرة العقبة، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف (¬3). PageV01P159
فصل في قربان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
لم يترك الأضحية قط، ضحى بكبشين من الضأن ذبحهما بعد صلاة العيد وقال: من ذبح قبل صلاة العيد، فليعد، فإنها ليست بقربة، وإنما هي شاة لحم، حصلها لأهله، وقال: يجزي من الضأن ما كان لسنة ومن غيره ما كان لسنتين فصاعدا، ومجموع يوم العيد، وثلاثة أيام التشريق، أيام ذبح.
ومن السنة النبوية، أن من قصد الأضحية في يوم العيد، أن لا يأخذ من شعره.
إذا هل هلال ذي الحجة، ولا من ظفره، وأن يكون كالحرم، وأن يختار لأضحيته السمين، السالم من العيوب، لا العوراء، ولا العمياء، ولا المعضوبة الأذن، ولا مقطوعتها.
وكان من العادة النبوية، أن لا يذبح الضحايا في المصلى. قال جابر: حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من الصلاة خطب، ولما فرغ من الخطبة، ونزل عن المنبر، جاءوا بكبش فذبحه - صلى الله عليه وسلم - بيده وقال: "بسم الله، والله أكبر هذا عنى، وعمن لم يضح من أمتي" (¬1).
وثبت في سنن أبي داود: أنه ضحى بكبشين، أقرنين، أملحين، موجوءين (¬2) فلما وجهها قال: "وجهت وجهي للذى فطر السموات والأرض PageV01P160 # حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك، ولك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر" ثم ذبح (¬1).
وأمر الناس بالإحسان في الذبح وقال: "إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (¬2) ومن الإحسان أن لا يذبح بحضور البعض وأن لا يشرع في السلخ إلا بعد كمال الموت. PageV01P161