باب حج النبي - صلى الله عليه وسلم -
PageV01P137
فصل حج النبي - صلى الله عليه وسلم -
أجمعت جماهير العلماء على أنه حج بعد الهجرة حجة، وتلك حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت في السنة العاشرة من الهجرة، وأما قبل الهجرة، فثبت في جامع الترمذي: أنه حج حجتين، ونقل صاحب المحلى أنه زاد على ثلاث وأربع، لكن لم يحفظ العدد.
ولما فرض الحج في العام التاسع، اشتغل بتجهيز أسباب السفر في الفور، وأما قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة} (¬1) الآية فإنها نزلت في اليوم السادس، وهذا لا يدل على فريضة الحج والعمرة بل هو أمر بإتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيه.
فصل في سياق حج الرسول - صلى الله عليه وسلم -
لما عزم - صلى الله عليه وسلم - على الحج أعلم أصحابه بذلك، فاستعدوا للسفر بأجمعهم، ووصل الخبر إلى القرى، والضياع القريبة من المدينة، فتجهز المسلمون بأجمعهم نحو المدينة، وفي حال السير إلى مكة تلاحق الناس من كل الأطراف، حتى تجاوزوا الحصر والعد، وسافر في يوم الخميس أو السبت، الرابع والعشرين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر في مسجد المدينة.
وكان خطب قبل ذلك وعلم الناس شرائط الحج وأركانه وآدابه، وكان ذلك في يوم الجمعة، وذا يؤيد أن السفر كان يوم السبت. لكن ورد في الحديث الصحيح: "أنه كان يحب إنشاء السفر في يوم الخميس". وثبت في PageV01P139 # صحيح البخاري: "ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج في سفر إذا خرج إلا في يوم الخميس" (¬1).
وبعد أن صلى الظهر رجل رأسه ودهنه، وشد إزاره، وسار بين الصلاتين حتى نزل بذي الخليفة. وقصر صلاة العصر هناك. وبات بها. وصلى المغرب والعشاء والصبح والظهر. فتم بها خمس صلوات، واستصحب معه أمهات المؤمنين كلهن، وطاف عليهم في تلك الليلة، واغتسل لصلاة الصبح، ثم اغتسل بعد الظهر أيضا للإحرام، واستعمل الخطمى (¬2) والأشنان (¬3). وقدمت إليه عائشة - رضي الله عنها -، طيبا مركبا من أجزاء طيبة الرائحة، وفيه مسلك فطيب منه بدنه، ورأسه، حتى كان يرى وبيض المسك في مفرقه المبارك ولحيته الشريفة بعد الإحرام (¬4).
ثم بعد ذلك لبس رداء إحرامه، وصلى الظهر قصرا، وأحرم في المكان الذي صلى فيه، ولم ينقل أنه صلى قبل الإحرام صلاة خاصة لأجل الإحرام، غير صلاة فرض الظهر وقبل الإحرام قلد البدنة بنعلين، وشق سنامها من الجانب الأيمن، ومسح الدم. PageV01P140
واختلف في إحرامه وكيفية تلبيته، فأكثر الأحاديث الصحيحة مصرحة: بأنه أحرم بحج وعمرة، وقال: "أتاني آت من ربي عز وجل، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة" (¬1) والأحاديث الصريحة في هذا المعنى تزيد على عشرين.
وأيضا وردت أحاديث كثيرة، شهدت بأن إحرامه كان بإفراد الحج، وفي صحيح مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل بحج مفردا، وثبت في الصحيحين: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر إلا الحج" (¬2).
وعند مسلم عن ابن عمرة "أهللنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج مفردا" (¬3) وورد في التمتع أحاديث صحيحة، وطريق التوفيق بين تلك الأحاديث، هو أن الإحرام كان بالحج أولا، ثم أدخل العمرة في الحج فصار قارنا، وقال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة (¬4).