وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق إليه.
ذكر بناية البيت العتيق
قال الله تعالى: وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (1) ".
وقال تعالى: " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا.
ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني من العالمين " (2) .
وقال تعالى: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، قال إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي؟ قال لا ينال عهدي الظالمين * وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود * وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا، وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر، قال ومن كفر فأمتعه قليلا، ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير، وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين
لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت PageV01P224
التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم " (1) يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله، إمام الحنفاء ووالد الانبياء إبراهيم عليه السلام (2) أنه بنى البيت العتيق الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس، يعبدون الله فيه.
وبوأه الله مكانه، أي أرشده إليه ودله عليه.
وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره: أنه أرشد إليه بوحى من الله عزوجل.
وقد ذكرنا في صفة خلق السموات: أن الكعبة بحيال البيت المعمور، بحيث أنه لو سقط لسقط عليها، وكذلك معابد السموات السبع، كما قال بعض السلف: إن في كل سماء بيتا يعبد الله فيه أهل كل سماء، وهو فيها كالكعبة لأهل الأرض.
فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبني له بيتا يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السموات، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له، المعين لذلك منذ خلق السموات والأرض، كما ثبت في الصحيحين: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ".
ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام.
ومن تمسك في هذا بقوله: " مكان البيت " فليس بناهض PageV01P225
ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر في علم الله، المقرر في قدره (1) ، المعظم عند الأنبياء موضعه، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم.
وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة، وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت، وأن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك.
ولكن كل هذه الأخبار عن بنى إسرائيل.
وقد قررنا أنها لاتصدق ولا تكذب فلا يحتج بها، فأما إن ردها الحق فهي مردودة.
وقد قال الله: " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ".
أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى، البيت الذى ببكة.
وقيل محل الكعبة " فيه آيات بينات " أي على أنه بناء الخليل، والد الأنبياء من بعده وإمام الحنفاء من ولده، الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته.