ذكر قصة ابني آدم: قابيل وهابيل
قال الله تعالى: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق، إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك، قال: إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين * إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من
أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه، قال يا ويلتى! أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوأة أخى، فأصبح من النادمين (1) ".
وقد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية.
ولله الحمد.
ولذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك.
فذكر السدي عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة، أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الآخر (2) وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل، وكان أكبر من هابيل وأخت هابيل أحسن، فأراد قابيل (3) أن يستأثر بها على أخيه، وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى، فأمرهما أن يقربا قربانا، وذهب آدم ليحج PageV01P055
إلى مكة، واستحفظ السموات على بنيه فأبين، والأرضين والجبال فأبين، فتقبل قابيل بحفظ ذلك.
فلما ذهب قربا قبانهما ; فقرب هابيل جذعة سمينة، وكان صاحب غنم، وقرب قابيل حزمة من زرع من درئ زرعه، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال: إنما يتقبل الله من المتقين.
وروي عن ابن عباس من وجوه أخر، وعن عبد الله بن عمرو.
وقال
عبد الله بن عمرو، وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إليه يده! وذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشرا لتقريبهما القربان والتقبل من هابيل دون قابيل، فقال قابيل لآدم: إنما تقبل منه لأنك دعوت له ولم تدع لي.
وتوعد أخاه فيما بينه وبينه.
فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي، فبعث آدم أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به (1) ، فلما ذهب إذا هو به، فقال له: تقبل منك ولم يتقبل مني.
فقال: إنما يتقبل الله من المتقين.
فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله.
وقيل: إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدخته.
وقيل: بل خنقه خنقا شديدا وعضه كما تفعل السباع فمات والله أعلم.
وقوله له لما توعده بالقتل: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط PageV01P056
يدي إليك لأقتلك ; إني أخاف الله رب العالمين " دل على خلق حسن، وخوف من الله تعالى وخشية منه (1) ، وتورع أن يقابل أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه مثله.
ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار.
قالوا يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه ".
وقوله: " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ": أي إني أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشد منك وأقوى، إذ قد عزمت على ما عزمت عليه، أن تبوء بإثمي وإثمك، أي تتحمل
إثم قتلى (2) مع مالك من الآثام المتقدمة قبل ذلك.
قاله مجاهد والسدي وابن جرير وغير واحد.