نفخة البعث
، يقوم الناس من قبورهم حفاة عراة غرلا، أي غير مختنين، وكذلك يحشر الكافرون إلى جهنم وردا أي عطاشا وقوله:
{ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء:97] .
فذلك حين يؤمر بهم إلى النار، من مقام الحشر، كما سيأتي بيان ذلك كله في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.
وقد ذكر في حديث الصور أن الأموات لا يشعرون بشيء مما يقع، مما ذكر، بسبب نفخة الفزع، وأن الذين استثنى الله فيها، إنما هم الشهداء، لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فهم يشعرون بها، ولا يفزعون منها، وكذلك لا يصعقون بسبب نفخة الصعق.
وقد اختلف المفسرون في المستثنين منها على أقوال، أحدها: كما جاء مصرحا به، أنهم الشهداء، وقيل: بل هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، قيل: وحملة العرش أيضا، قيل: وغير ذلك، فالله أعلم.
وقد ذكر في هذا الحديت، أعني حديث الصور، أنه يطول على أهل الدنيا مدة ما بين نفخة الفزع ونفخة الصعق، وهم يشاهدون تلك الأهوال، والأمور العظام، فيموت بسبب ذلك جميع الموجودين، من أهل السموات، ومن في الأرض، من الإنس والجن، والملائكة، إلا من شاء الله، فقيل: هم حملة العرش، وجبريل، وميكائيل، وإسرا فيل، وقيل: هم الشهداء، وقيل: غير ذلك قال الله تعالى:
{ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر:68] .
وقال تعالى:
{فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربئك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} [الحاقة:13-18] .
تقدم في حديث الصور:
"إن الله تعالى يقول لإسرافيل: انفخ نفخة الصعق، فينفخ فيصعق من
في السموات والأرض، إلا من شاء الله، فيقول الله لملك الموت: وهو أعلم بمن بقي فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت حملة عرشك، وبقي جبريل وميكائيل، فيأمره الله أن يقبض روح جبريل وميكائيل، ثم يأمر الله سبحانه وتعالى بقبض حملة العرش، ثم يأمره أن يموت، وهو آخر من يموت من الخلائق".
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا، من طريق إسماعيل بن رافع، عن محمد بن كعب، من قوله فيما بلغه، وعنه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"أن الله تعالى يقول لملك الموت: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت ثم لا تحيا".
وقال محمد بن كعب فيما بلغه فيقول له: مت موتا لا تحيا بعده أبدا فيصرخ عند ذلك صرخة لو سمعها أهل السموات والأرض لماتوا فزعا.
قال الحافظ أبو موسى المديني: لم يتابع إسماعيل بن رافع على هذه اللفظة، ولم يقلها أكثر الرواة، قلت: وقد قال بعضهم في معنى هذا: مت موتا لا تحيا بعده أبدا، يعني ثم لا يكون بعد هذا ملك موت أبدا، لأنه لا موت بعد هذا اليوم، كما ثبت في الصحيح:
"يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح 1، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل النار خلود ولا موت. ويا أهل الجنة خلود ولا موت".
وسيأتي الحديث،
()
فملك الموت فان حتى لا يكون بعد ذلك ملك موت أبدا، والله أعلم. وبتقدير صحة هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم فظاهر ذلك أنه لا يحيى بعد ذلك أبدا، وهذا التأويل بعيد بتقدير صحة الحديث، والله أعلم بالصواب. PageV01P290