وفي "المسند"2 و"السنن" عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده PageV01P174
قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله".
وإنما فازوا بهذا ببركة الكتاب العظيم, القرآن الذى شرفه الله على كل كتاب أنزله، وجعله مهيمنا عليه وناسخا له وخاتما له، لأن كل الكتب المتقدمة نزلت إلى الأرض جملة واحدة، وهذا القرآن نزل منجما بحسب الوقائع، لشدة الاعتناء به وبمن أنزل عليه، فكل مرة كنزول كتاب من الكتب المتقدمة.
وأعظم الأمم المتقدمة هم اليهود والنصارى، فاليهود استعملهم الله من لدن موسى إلى زمان عيسى، والنصارى من ثم إلى أن بعث محمدا -صلى الله عليه وسلم، ثم استعمل أمته إلى قيام الساعة، وهو الشبه بآخر النهار، وأعطى المتقدمين قيراطا قيراطا، وأعطى هؤلاء قيراطين قيراطين، ضعفى ما أعطى أولئك، فقالوا: أى ربنا, ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا؟ فقال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذاك فضلى -أى: الزائد على ما أعطيتكم- أوتيه من اشاء, كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم PageV01P175
والله غفور رحيم، لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 28-29] .
الوصاة بكتاب الله
حدثنا1 محمد بن يوسف، ثنا مالك بن مغول، ثنا طلحة -هو ابن مصرف، سألت عبد الله بن أبى أوفى: أوصى النبى -صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا, قال: قلت: فكيف كتب على الناس الوصية أمروا بها، ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله -عز وجل.
وقد رواه فى "مواضع أخر" مع بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق، عن مالك بن مغول به.
وهذا نظير ما تقدم عن ابن عباس أنه ما ترك إلا ما بين الدفتين, وذلك أن الناس كتب عليهم الوصية فى أموالهم، كما قال تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] وأما هو -صلى الله عليه وسلم, فلم يترك شيئا يورث عنه، و"إنما"2 ترك ماله صدقة جارية من بعده، فلم يحتج إلى وصية فى ذلك.
ولم يوص الى خليفة يكون بعده على التنصيص؛ لأن الأمر كان ظاهرا من إشاراته وايماءاته إلى الصديق، ولهذا لما هم بالوصية إلى أبى بكر، ثم PageV01P177
عدل عن ذلك قال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"1 وكان كذلك، وإنما أوصى الناس باتباع كلام الله. PageV01P178