أول ذي الحجة/ 1415ه.
ترجمة الحافظ ابن كثير -رحمه الله
1:
الإمام الحافظ المحدث المؤرخ الثقة، ذو الفضائل، عماد الدين، أبو الفداء: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، القرشي، الدمشقي، الشافعي.
ولد -رحمه الله- بقرية "مجدل" من أعمال "بصرى"2. وكان أبوه من أهل "بصرى"، وأمه من قرية "مجدل".
وقومه كانوا "ينتسبون إلى الشرف، وبأيديهم نسب، وقف على بعضها شيخنا المزي, فأعجبه ذلك وابتهج به، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك "القرشي" -كما قال هو في ترجمة أبيه، في تاريخه "البداية والنهاية".
وتاريخ مولده سنة 700، كما ذكر أكثر من ترجم له، "أو بعدها بقليل" كما قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة, وهو تاريخ تقريبي, أرجح أنه مستنبط من كلامه في ترجمة أبيه، حيث ذكر أن أباه "توفي سنة 703.. وكنت إذ ذاك صغيرا ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أدركه إلا كالحلم".
و"ابن ثلاث سنين" لا يعرف تواريخ السنين -على اليقين- في تلك السن, فقد سمع إذن تحديد السنة التي مات فيها أبوه ممن حوله من إخوة أو أهل أو جيران, ولكنه يدرك أباه "كالحلم", فالذي هو في سن أقل PageV01P005
من الثلاث ما أظنه يذكر شيئا "كالحلم", ولا أبعد من الحلم ولا أقرب, فهو حين موت أبيه قد جاوز الثالثة -في أكبر ظني, ولذلك أرجح أن مولده كان في سنة 700 أو قبلها بقليل, وهو أقرب إلى الصحة من قول الحافظ ابن حجر: "أو بعدها بقليل"؛ لأن الذي "بعدها" لا يكاد يبلغ الثالثة عند موت أبيه.
وكان أبوه "الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير" من العلماء الفقهاء الخطباء, ولد -كما قال ابنه- في حدود سنة 640, وترجم له ابنه الحافظ في تاريخه الكبير "البداية والنهاية"، ج14 ص31- 33, ومما قال في ترجمته: "اشتغل بالعلم عند أخواله بني عقبة ببصرى؛ فقرأ "البداية" في مذهب أبي حنيفة، وحفظ "جمل الزجاجي"، وعني بالنحو والعربية واللغة، وحفظ أشعار العرب، حتى كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح والمراثي وقليل من الهجاء, وقرر بمدارس بصرى بمبرك الناقة شمالي البلدة، حيث يزار، وهو المبرك المشهور عند الناس1! والله أعلم بصحة ذلك, ثم انتقل إلى خطابة القرية شرقي بصرى، وتمذهب للشافعي، وأخذ عن النواوي والشيخ تقي الدين الفزاري -وكان يكرمه ويحترمه، فيما أخبرني شيخنا العلامة ابن الزملكاني, فأقام بها نحو من 12 سنة, ثم تحول إلى خطابة "مجدل": القرية التي منها الوالدة, فأقام بها مدة طويلة، في خير وكفاية وتلاوة كثيرة, وكان يخطب جيدا، وله مقول عند الناس، ولكلامه وقع؛ لديانته وفصاحته وحلاوته, وكان يؤثر الإقامة في البلاد2، لما يرى فيها من الرفق ووجود الحلال له ولعياله. وقد ولد له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها؛ أكبرهم: إسماعيل، ثم يونس، PageV01P006
وإدريس, ثم من الوالدة: عبد الوهاب، وعبد العزيز، وأخوات عدة, ثم أنا أصغرهم، وسميت باسم الأخ "إسماعيل"؛ لأنه كان قد قدم دمشق، فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده، وقرأ مقدمة في النحو، وحفظ التنبيه، وشرحه على العلامة تاج الدين الفزاري، وحصل المنتخب في أصول الفقه. قاله لي شيخنا ابن الزملكاني. ثم إنه سقط من سطح الشامية البرانية، فمكث أياما ومات, فوجد الوالد عليه وجدا كثيرا، ورثاه بأبيات كثيرة, فلما ولدت أنا له بعد ذلك سماني باسمه؛ فأكبر أولاده: إسماعيل، وأصغرهم وآخرهم: إسماعيل. فرحم الله من سلف، وختم بخير لمن بقي. توفي والدي في شهر جمادى الأولى سنة 703 في قرية مجدل، ودفن بمقبرتها الشمالية عند الزيتون، وكنت إذ ذاك صغيرا، ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أدركه إلا كالحلم, ثم تحولنا من بعده في سنة 707 إلى دمشق، صحبة "كمال الدين عبد الوهاب" وقد كان لنا شقيقا، وبنا رفيقا شفوقا، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين "يعني سنة 750"، فاشتغلت على يديه في العلم، فيسر الله تعالى منه ما يسر، وسهل منه ما تعسر".